الخميس، 16 فبراير 2012


هل تنجح إيران في احتواء الحرب بالاقتصاد؟

عماد الشدياق (*)
تستشعر ايران الخطر الأميركي الناتج عن الأشهر الأخيرة المتبقية لإدارة جورج بوش في سدة الرئاسة، حيال مشروعها النووي وبالتالي حيال محاولاتها لفرض النفس كشريك فاعل ومؤثر في منطقة الشرق الأوسط، ونتيجة لذلك تحاول التخلي عن الحراك السياسي القائم على نظريات القوة المطعمة بالشعارات الحربية والإلغائية، الى مرحلة العمل السياسي القائم على نظريات الاندماج التي تعترف ضمناً بصراعات الأمم وتعمل على تسطيحه وتذليله من خلال التعاون الاقتصادي والمصالح المشتركة لتذوب عند عنوان "ضرر الجار يؤذي الدار".
وتتخذ الجمهورية الاسلامية الايرانية حيال هذا الواقع الجديد جملة من التدابير المتنوعة ما بين الاقتصادي والسياسي والانمائي وحتى الأمني لحماية نفسها وبالتالي برنامجها النووي من اي تهديد قد يصيبه في المستقبل على ايدي الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الاميركية المتكافلة والمتضامنة في ذلك مع اسرائيل، اذ اطلقت لهذه الغاية مبادرة حيكت خلف الكواليس مع عدد من الدول المجاورة لها على خلفية سلة من المصالح المشتركة، يتم كشف النقاب عنها تدريجيا من خلال محاولة طرح مفهوم الكونسورتيوم الدولي المزعوم للاشراف على عمليات التخصيب على التراب الايراني كمدخل لحل الأزمة القائمة. من جهة أخرى تواظب الجمهورية الاسلامية على توطيد علاقاتها مع دول الجوار الفاعل كروسيا الاتحادية والهند وباكستان دون استبعاد الصين في مشاريع واتفاقات اقتصادية اقليمية تمكنها في نهاية المطاف دخول "منظمة شانغهاي للتعاون" من بابها العريض توسلا لعناوين حاجة هذه الدول الى النفط والغاز الخام، وقد أعلن مؤخراً عن جزء من هذه التدابير والاتفاقات عبر اقنية دبلوماسية بالتزامن مع جولة الرئيس نجاد للدول الاسيوية في الشهرين الماضيين، بهدف ترتيب اوراق المفكرة الايرانية المستقبلية.
أولى اوراقها كان الالتزام بمشروع مد انابيب الغاز الممتدة بطول 2600 كلم بين ايران وباكستان وروسيا لسد حاجاتهم المتنامية، اضافة الى الوعود التي قطعها الرئيس نجاد لباكستان من أجل تمويل انشاء معمل الطاقة الكهربائية ذات القوة 1100 ميغاوات، بل اكثر، اذ التزمت ايران مساعدة سريلانكا في تعزيز بناها التحتية في مشاريع انمائية بقيمة 1.5 مليار دولار من ضمنهم 450 مليون دولار مخصصة لانشاء مشروع "اوماهويا ـ هيدرو" للطاقة، المتوقع ان ينتج حوالي 100 ميغاوات، بالتزامن مع الوعد الايراني المقطوع للقوات السريلانكية عبر تسليحها بمعدات من الصين وباكستان. هذا وقد وقعت ايضا على اتفاق يجمعها مع الهند لبناء خط سكة حديد يربط بينهما وبين روسيا الاتحادية لتعزيز عمليات الاستيراد والتصدير فيما بينهم. أما في المجال الأمني المشترك لم تغفل ايران اهمية التواصل مع الجيران الأتراك والعرب (المملكة العربية السعودية على وجه التحديد)، ما قد ترجم بجولات متتالية من اللقاءات كان آخرها لقاد وزيري الداخلية الايراني والسعودي في 30 نيسان الذي توج بالاتفاق على تفعيل معاهدة 2001 المشتركة بين الطرفين في مجال الأمن الاقليمي المشترك، اضافة الى ما قد اعلن موخراً عن مثلث التنسيق الأمني بين تركيا وايران والسعودية، ومروراً بمحاولات التلاقي المستمرة مع مجلس التعاون الخليجي للمضي في رسم حدود المنطقة التجارية الحرة في الخليج، كانطلاقة ملحة نحو التعاون الاقليمي في مجالات الطاقة النووية.
لهذا تسعى الجمهورية الاسلامية للسير قدماً في حياكة سجادة المصالح التي تجمعها مع دول المحيط الفاعل في آسيا لتكون خير واق لها من لسعات الصقيع التي قد تطال اقدامها في نهايات الصيف الآتي بالتزامن مع نهاية الولاية البوشية.
بالمحصلة النهائية، كل هذه المؤشرات تحفز اصحاب القرار الفارسي تظهير صورة هذا الموزاييك الاقتصادي ـ الأمني الملتقط بالمجهر الايراني والمتحمس بالوقت ذاته لحجم الحرارة المحيطة بكواليس الاستديو الدولي!! قد تكون ايران استدركت عن اقتناع ان الطريقة المثلى لمواجهة الأعمال العسكرية المفترضة ـ بغض النظر عن أحقيتها او لا ـ لن تقوم الا بالعمل الدؤوب والمبني على أساس سلمي مشترك وقائم على التعاون والتنمية في كافة المجالات خاصة في المجال الاقتصادي، لانها تدرك حجم الضرر الذي قد يصيبها، ناهيك عن المصائب التي قد تلحق بالعالم وبالدول الصناعية المفتقرة للمواد النفطية بفعل اي عمل اميركي او اسرائيلي متهور، لذلك تراها تواظب على تلقف عامل (الانتشار) (Ramification) الايجابي الذي ترتكز عليه نظرية الاندماج، من خلال البحث عن نقاط التلاقي والتعاون بعيداً عن الخلافات ـ ان وجدت ـ والتي قد تذوب من خلال شبك المصالح وربط المصائر الاقتصادية ضمن منظومة اقليمية موحدة.
الا ان هذا التكتيك قد يكون متعثراً اذا لم يترافق مع التركيز داخليا، كون الجهد السياسي المنصب على السياسات الخارجية افرط في اهمال المطالب الشعبية المتنامية اطرادا، ناهيك عن الاستنزاف الاقتصادي المتأتي من العقوبات الصادرة عن قرارات مجلس الأمن والمرجح ان يستمر وتتفاقم اذا لم تستجب ايران لدعوات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
فهل تنجح ايران احتواء الحرب بالاقتصاد؟
(*) باحث في مجال العلاقات الدولية



لعبة المصالح بين روسيا والصين

عماد الشدياق (*)
ساد الفكر الشيوعي في الصين وروسيا لعدة عقود امتدت من شرارة الثورة البولشفية في موسكو، وحركة ماو تسي تونغ التي أسست الحزب الشيوعي الصيني وحتى بداية أولى إرهاصات العولمة النيوليبرالية التي تزامنت مع سقوط جدار برلين في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، وقد شهدت تلك الحقبة تلاقيات وتعثرات عدة بين روسيا ـ الاتحاد السوفياتي وأمبراطورية الوسط إلا أنهما حافظتا إلى حدّ كبير على حسن الجوار لسنوات عدّة، وقد خيّم الهدوء على علاقة الدولتين الجارتين خلال مرحلة ما بعد العاصفة، تلك التي ضربت الحالة الشيوعي في العالم، وتلاحقت الضربات بسيوف طروحات فكرية غربية في حينها، كمحاولات لتوصيف مرحلة "ما بعد الشيوعية": "نهاية التاريخ وانتصار الرأسمالية" لفوكوياما، و"صدام الحضارات" لهاتنغتون، "الإدارة العالمية" لروزنو، "العالم المسطح بفعل العولمة" لفريدمان..
إلى أن أضحت الشيوعية اليوم رمزاً من رموز التراث والسياحة في روسيا، ونهجاً سياسياً محايداً عن الاقتصاد المعولم في الصين التي تحولت بخطى ثابتة ومدروسة إلى النفس والنكهة النيوليبرالية، وحطمت الأرقام القياسية في جذب الاستثمارات وتكديس الاحتياطات من المعادن والعملات الأجنبية، حيث تشبّهت بظاهرة "الثقب الأسود" الفلكي لإغراء الشركات عبر الوطنية، لتتربّع على لقب "مصنع العالم" اليوم.
أما روسيا، الدولة الأكبر في العالم من حيث المساحة، وصاحبة الـ476 مليار دولار (ثالث احتياطي عالمي)، تستوي على 60 مليار برميل من النفط و4705 تريليون متر مكعب من الغاز الخام، (عدا الثروات الطبيعية الأخرى كاليورانيوم، الذهب، الحديد، النحاس، البوكسيت، الغابات والمياه...) من أهم التكنولوجيات العسكرية في المجالات النووية والصناعات الثقيلة كالطائرات والصواريخ البالستية رائدة في علم الفضاء.
في خضم هذه المعطيات مع ما يرافقها من تحوّلات في مجال العلاقات الدولية والاقتصادية، ومع سواد الليبرالية في العالم الغربي والنامي وجد الدب الروسي لدى التنين الصيني الصاعد مصالحه الاستراتيجية في مجالات التعاون المتنوّع، لتكون له رافعة متينة في وجه الأحادية القطبية التي تشغلها الولايات المتحدة الأميركية منذ أوائل التسعينات. وقد دأبت روسيا الاتحادية على ذلك من خلال جملة من الاتفاقات والمعاهدات أبرزها معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون التي ربطت الامبراطوريتين السابقتين منذ 2001 ولعشرين عاماً في المجالات الاقتصادية والعسكرية والسياسية بطريقة قائمة على الندية والاحترام المتبادل لسيادة البلدين، وقد توافقتا على مواصلة التعاون القائم على المصالح المشتركة في مجالات التكنولوجيا العسكرية والعلوم والطاقة العادية والنووية، إضافة إلى شؤون الملاحة الجوية والفضاء وتكنولوجيا المعلومات، ولم يستثن الفريقان موضوعات السياحة والثقافة والتعليم وحتى الرياضة والقانون وحقوق الإنسان، بل شددا على التعاون المتبادل لدى المؤسسات المالية الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) والمنظمات والندوات الاقتصادية الدولية، بالإشارة إلى منظمة التجارة العالمية.
لكل ذلك، وبالتزامن مع بداية العهد الجديد، اختار الرئيس الروسي أن تكون أولى زياراته صوب الصين بمثابة رسالة موجهة إلى الغرب مفادها أن العلاقة المرجوّة مع الجار الآسيوي الكبير ستكون من أهم أولويات العهد الجديد. وقد ترجمها الطرفان بالتوقيع على جملة من الاتفاقات الإضافية في مجالات السياحة، النقل الجوي والطاقة، على أهميتها نسبة للاقتصاد الصيني الصاعد، كما كان لافتاً في هذه الزيارة الاتفاقية التي وقع عليها القيصر الجديد المتعلقة بالعقود النووية الخاصة بمجال الطاقة وتخصيب اليورانيوم. هذا والتقى الفريقان عند نقاط تقاطع تُعنى بمستقبل النظام الدولي، وشددا على الرفض المطلق للعمل المسلح كوسيلة لحل الأزمات الدولية الشائكة (غمز من المسألة النووية الإيرانية)، ولم يتوانيا عن اتهام الدرع الصاروخي الأميركي في أوروبا، بإعاقة التكاتف والتضامن بين الدول، وبتهديد الأمن الاقليمي لآسيا كونه لا يساهم في صيانة التوازن الاستراتيجي القائم على الجهود الدولية المبذولة لمراقبة التسلح وعدم انتشاره!!
لقد أظهر الرئيس الروسي الجديد من خلال تحركاته الأولى أنه ملتزم "التواصلية" مع العهد البوتيني خصوصاً في ما يخصّ العلاقات الصينة ـ الروسية في مجال التبادل التجاري تحديداً (نحو 48 مليار دولار في العام 2007، أي بزيادة 44% عن السنوات السابقة) إضافة إلى المجال العسكري والتكنولوجي المرسوم بموجب خطة استراتيجية قد يتوخى منها مستقبلاً أن تؤدي في خواتيمها إلى تحالف علني وشامل بين الفريقين.
كما وتأتي هذه الخطوة كردّ على التمدد الذي يحققه الحلف الأطلسي خصوصاً في منطقة أوراسيا المتاخمة مباشرة لروسيا والصين، وتمهيداً لاستيلاد نظام دولي جديد قائم على نظرية توازن القوى المتعدد الأطراف، يتجاوز الأحادية الأميركية التي طالت العسكرة والاقتصاد والسياسة والثقافة وحتى الإعلام والفنون.
تلك لعبة المصالح بين الأمم، فهل يتمكن الحلف الصينو ـ روسي الجديد من تعديل الموازين؟ تعاقب الأيام كفيل بالردّ!
(*) باحث في مجال العلاقات الدولية


أي سيادة في ظل العولمة؟

عماد الشدياق
كرست اتفاقية وستفاليا في أوروبا 3 مبادىء أطرت تفاعلات العلاقات الدولية بموجبها وهي:
* مبدأ سيادة الدولة سياسياً وحقها بإدارة شؤونها الخاصة.
* مبدأ المساواة بين الدول.
* مبدأ عدم التدخل في أعمال الدول الداخلية.
* ويتجه أغلب المنظرين الى تخصيص السيادة بخمس ميزات ثابتة، وهي الشمولية بحيث انها تطبق على جميع المواطنين دون استثناء، دائمة بدوام الدولة، لا تتجزأ بمعنى انه لا يوجد سوى سيادة واحدة، وغير قابلة للتنازل والا فقدت الدولة فحواها وذاتها، ومطلقة لاستحالة وجود سلطة او هيئة أعلى منها.
وقد بقيت هذه المبادىء الراعية للمفهوم الأم، سائرة المفعول الى ان اشرق فجر العولمة ـ بالتزامن مع انهيار المنظومة الشيوعية ـ التي كان ينتظر منها ان تحد من مشكلات الشعوب وتكبح استنزافاتهم من سائر جوانب حياتهم وتحت العديد من العناوين. ولم يبق من السيادة شيء يمكن التحدث عنه خاصة لدى دول العالم الثالث، مع الإشارة ان مفهوم السيادة كان ولم يزل حافز للدول الصغيرة والضعيفة من هيمنة الكبار وأطماعهم.
الا ان التطور الذي شهده عالم العلاقات الدولية بزيادة عدد لاعبيه، ادى الى تجزأة مفهوم السيادة وتجويفه من مضامينه قسراً وقطعت اوصاله الى مجموعة من السيادات المنقوصة سياسياً، اقتصادياً، ثقافياً، وقضائياً؟؟
ففي المجالات الاقتصادية، وفي ظل المديونية التي تعاني منها معظم دول العالم، يسمح صندوق النقد الدولي والبنك الدول لنفسيهما بممارسة دور "الحارس القضائي" على مقدرات الدول النامية، ووكيل يدير أزمة "المديونية العالمثالثية، بوصفة واحدة موحدة دواءها الخصخصة وترشيد الانفاق العام؟؟ بمقابل تحرير رؤوس الاموال الخاصة دخولاً وخروجاً عبر الحدود توسلاً للربح السريع بمعزل عن اي اعتبار اخلاقي او اجتماعي.
وعلى المستوى السياسي سقطت السيادة رهينة عناوين فضفاضة كالأمن والسلم الدوليين (كالحال في العراق وافغانستان وجورجيا مؤخراً) ونشر الديموقراطية وحماية حقوق الانسان والتدخل الانساني (في يوغسلافيا وجزيرة هايتي) التي تقررها ارادة دول العضوية الدائمة في مجلس الامن، وضمن ازدواجية "معاييرية" عمياء وغبّ طلب مصالحها وحاجاتها.
أما في المجال الثقافي، وبفضل مركب وكالات الأنباء العالمية (ذص،ذئء،ذء،َّْمُِّّمز) التي تتفرد بصناعة الخبر وصياغته ليبث بالاسلوب الأنفع لمصالح مموليها من دول وشركات عبر وطنية ومنظمات، ناهيك عن الغزو الثقافي الذي يصيب شعوب العالم ويسلخها من هوياتها القومية لصالح ثقافة الاستهلاك الموجه ولصالح النمطية الغربية المزمنة دون حسيب او رقيب (برامج تلفزيون الواقع، الموسيقى، وافلام هوليوود).
استقلالية القضاء ونزاهته سمة تتغنى الديموقراطيات الغربية بتطبيقها، وتحرمها على الدول المستضعفة، من خلال القفز فوق القضاء المحلي نحو التحكيم والقضاء الدولي في النزاعات الاقتصادية مع الدول والشركات، ونحو المحاكم الجنائية الخاصة والدولية (محاكم رواندا، سيراليون، كامبوديا، السودان مؤخراً) لمعاقبة الخارجين عن قانون اللعبة التي يضعون شروطها.
لقد خضع مفهوم السيادة الى إعادة التقييم من مدارس فكرية تبنت وجهتي نظر متباينة، الاولى وهي نظرية الادارة العالمية التي تؤكد تلاشي وانهيار السيادة تدريجياً في ظل التواصل والاعتماد المتبادل بين الدول والمنظمات الدولية والغير ـ حكومية والشركات العبر ـ وطنية، او في أضعف الايمان تتجه نحو الضمور الى حدودها الدنيا لتصبح مهام الدولة محصورة بتسيير شؤونها الداخلية الصرفة لتفوض صلاحياتها السيادية الى هيئات خارجية فوق ـ وطنية، اقليمية ودولية (كمنظمة التجارة العالمية، الأمم المتحدة) وتتخذ لهذا المنحى، من الاتحار الأوروبي نموذج ترويجي بمفاهيمه الاندماجية والانمائية. أما النظرية الاخرى (القومية) تتمسك بمضامين السيادة النيو ـ كلاسيكية وتراهن على بقائها ما بقيت الدولة ذاتها، وذلك لحتمية الفشل الذي ستمنى به ممارسات المجتمع الدولي نتيجة لسواد ثقافة الربحية والهيمنة على حساب المساواة والعدالة الاجتماعية، فتطالب بالعولمة البديلة (no-mondialisatiretlA) كمخرج لهذا المأزق.
ومن جهة اخرى، تراهن هذه المدرسة على اعتبارات تنفرد الدولة القومية بامتلاكها، بدليل تلمس المؤسسات الدولية بمختلف تلاوينها حقيقة وجود هذه الاعتبارات عند "الدولة الحديثة او الراعية" ـ كما كانت تسمى في القرنين الماضيين ـ القائمة على امكانية توفير العدالة الاجتماعية والمساواة بين شرائح المجتمع والديموقراطية الحقة، وتعترف هذه المؤسسات ضمناً بفشلها عن معالجة هذا النوع من المشاكل بسبب افرازات عولمتهم المبتكرة.
فللأسباب السالفة الذكر، وقعت الدول النامية في مصيدة التبعية في سياداتها مقابل أمنها الانساني بمفهومه الشامل، واضحت تجهد وتتهافت لتأمين احتياجاتها الإنمائية (سياسياً، اقتصادياً، واجتماعياً) على وقع طبول مراسم الاعدام المحتم بمقصلة العولمة، فأي سيادة يحدثوننا عنها؟


الشركات المتعددة الجنسيات أو الدول بلا أقاليم

عماد الشدياق
لم يعد مصطلح العلاقات الدولية يحاكي الواقع الذي نعيشه مع زيادة عدد اللاعبين الدوليين ومنافستهم للدولة القومية، بحيث ان المنظمات الحكومية وغير الحكومية (SOGN) والأفراد والشركات عبر الوطنية باتوا يؤثرون في مسار ومصير العلاقات الدولية مثلهم مثل الدول لا بل أكثر.
وقد برز نشاط الشركات الكبرى منذ عصر الاستعمار، وتدرجت ملكيتها تباعاً من الأفراد المحليين المدعومين من حكوماتهم الى أفراد متعددي الجنسيات، فأطلق عليها اسم الشركات المتعددة الجنسيات التي اتفقت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة على تسميتها عبر وطنية )snoitaroproC lanoitansnarT( بدلاً من متعددة الجنسيات (snoitaroproC laoitanitluM) لعدم انحصار نشاطاتها بالدولة الام فقط، بل لانتشارها الى كامل المعمورة بحثاً عن مكاسب تطمح في تحقيقها. وتتميز هذه الشركات بضخامة حجمها لكونها تمثل كيانات اقتصادية عملاقة تمتلك رؤوس أموال هائلة توظفها في نشاطات واستثمارات متنوعة في أكبر بقعة جغرافية ممكنة، بهدف ضبط هوامش الخسارة والحفاظ عليها في أدنى مستوياتها، وتكتنز هذه الشركات قدرات مخيفة تمكنها من تحويل وتفكيك وسائل الانتاج (noitazilacoleD) ولهذا تسعى الى توفير:
أفضل شروط "العرض" من خلال تقليص تكاليف الانتاج تعقباً لليد العاملة الرخيصة، وإلحاق المصانع بمصادر المواد الخام، واستنفاداً للتكولوجيات المتطورة عبر استحداث مراكز الابحاث والتطوير.
أفضل شروط "الطلب" من خلال التفلت من القيود الجمركية وسياسات الحماية عبر إنشاء المصانع عند الدول الحامية لصناعاتها المحلية، بهدف تسويق سلعها مباشرة الى المستهلك ولتكون على مقربة ودراية بأذواقهم المتنوعة ومتطلباتهم.
منذ أواخر القرن الماضي وحتى اليوم، لجأت تلك الشركات الى تدابير جمة مكنتها من إحكام قبضتها على مقدرات العالم دون مبالغة، وبات لها عالمها الخاص من رجال الأعمال والصحف والمجلات والمواقع الالكترونية التي تتبع أخبارها وأسرارها على مدار الساعة، وأضحت أقوى من الدول بحيث انها استطاعت ان تفرض شروطها عليها تحت طائلة الانتقال الى الاستثمار خارجاً، وباتت تتحكم بقوانين العمل وشروط الضمان، ناهيك عن الضرر الذي ألحقته باقتصاديات الدول الضعيفة من جراء تقويض الشركات المحلية وابتلاعها نتيجة خنق المنافسة وتهديد مصادر أرزاق المنتجين الصغار، اضافة الى عمليات الغش التي تلجأ اليها عبر تدوير الارباح ونقلها الى الملاذات الآمنة والبعيدة عن المحاسبة والمساءلة، وهذا ما سبب عجزاً في موازين المدفوعات لدى الدول المضيفة من خلال محاسبتها التي ترمي الى تخفيض الضرائب، نقل الأسعار وتوزيع الأرباح على الفروع. وقد توسعت نشاطاتها اخيراً لتشمل التأثير في السياسة والعمليات الديموقراطية، حيث ساهمت في تمويل الحملات الانتخابية عند الضرورة مقابل وعود تحصل عليها من المرشحين باستصدار قوانين تمكنها من مواصلة سيطرتها على الاسواق وتعزيزها (المركب الصناعي العسكري في الولايات المتحدة الأميركية مثلاً)، دون ان ننسى مساهماتها في تمويل المجموعات المسلحة وعمليات التفجير والاغتيالات (في نيجيريا، السودان، بورما...). بالاضافة الى سطوتها على بعض وسائل الإعلام العالمية التي تستخدمها أحياناً في تسريب الاشاعات والاشاعات المضادة كوسيلة لمحاربة الخصوم والمنافسين.
ومن بين الاجراءات التي اتخذتها الشركات للهيمنة على الاقتصاد العالمي ما يعرف بـ: "توافق واشنطن" أو "stnemeergA snemletneG"، وهي مجموعة من الاتفاقات ابرمت فيما بين الشركات والمؤسسات المالية والدولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) والتي ترمي الى خصخصة العالم بأثره من خلال الإصلاح الضريبي الذي يقترح تخفيض المعدلات الضريبية على المداخيل العالية لتشجيعها على الاستثمار، وتحرير الأسواق المالية ترافقاً مع تفكيك القطاع العام الى حدوده القصوى والتشديد على الشفافية (الملغومة) التي تمنع دعم الدولة للقطاعات الاقتصادية والسلع الغذائية، وحصر نشاطاتها (اي الدولة) في تحديث وتطوير البنى التحتية فقط!.
اتفاقيات الاستثمار المتعددة الأطراف (SMIRT) في اطار منظمة التجارة العالمية التي باتت بمثابة الدستور الاقتصادي العالمي الذي يسعى الى التوحيد التدريجي للأسواق العالمية الذي تكرس مواده خدمة للشركات.
اضافة الى مشروع الاتفاقية المتعددة الأطراف حول الاستثمار )IMA( التي فشل العمل بها حتى الآن ـ لحسن الحظ ـ من جراء ضغوطات المجتمع المدني على المفاوضين واختلافهم فيما بينهم، والتي كانت ستكرس هيمنة الشركات وتبعية الدول بما تحمله من بنود مقهقرة لدور الدولة في حماية مصالحها.
كل هذه المعطيات تدفع بالمؤثرين على الساحة الدولية للتفكير ملياً وبهدوء حول مصير الدولة القومية، بمعانيها الكلاسيكية، وبما قد تؤمنه من وقاية اجتماعية واقتصادية في عالم تسوده الفوضى في ظلّ العولمة.


هل السُنّة حقاً سجينة السلف؟

مراجعة: عماد الشدياق
يتناول العروي اشكالية السنة بصيغة جواب نصوح عن تساؤلات سيدة أجنبية مسلمة (باحثة في علم البحار)، بأسلوب روائي سردي مميز، يجنّب قراءه الملل والغرق بالأسلوب الجاف والمجافي للتشويق، فيكشف مع تعاقب الفصول قدرته على شد القارئ واقحامه في التفكير عميقاً بمطلق اي مصطلح أو مفهوم يمرّ ولو حتى في الحواشي والهوامش، تحت تأثير البساطة في انتقاء المصطلحات من جهة، وعمق وغزارة معانيها من جهة أرخى. فيستهل شرحه للمنهج المتبع في الكتاب عبر رفض نعته بالفيلسوف ولا بالمتكلم بل بالتاريخاني نسبة للتاريخانية (Historicism) بتوصيفها كإحدى المناهج المعاصرة في تفسير الظواهر الانسانية ـ حتى الديانات ـ كالقرآن الكريم وطرق تأويله، وهي من المناهج التي تشدد بالمبدأ على ضرورة ارتهان النص بتاريخه وبالظروف التي عايشت ولادته من انفعالات وعواطف وضغوط على اختلافها وتنوعها. تلك التاريخانية التي اعتنقها رغم انتقادها وتسفيهها أدت به في آخر المطاف الى الاقتناع بأن المحرك الرئيسي للمجتمع لم يكن يوماً الا المنفعة وليس الحق. لقد ثابر على دراسة الفلسفة دون الفصل بينها وبين التاريخ وعلم الكلام، وبالتالي يأخذ على النهج الفلسفي الموروث عند العرب الذي بقي يدور في حلقة مفرغة عنوانها "الجدال والتفنيد دون التثبيت أو التقرير" لأن هذا النهج الفلسفي ما زال أسير الفكر الهليني الممزوج بالكثير من الضبابية ما بين الميثولوجيا والميتافيزيقيا لا بل ما بين الثيولوجيا والعلم الموضوعي. بمقارنة بسيطة بين الفيلسوف والمتكلم يظهر العروي لقرائه المماثلة والتعادل بينهما في المفاهيم والتصورات، فيضيء على الخلفية الفكرية المشوشة لدى الأول، والاستدلالية العمياء لدى الثاني!! فيصبح الفيلسوف متكلم أمته وزمانه والمتكلم فيلسوف جماعته وحقبته لتجمعهما وحدة الدور، لذلك يرى بأن المؤرخ (أو المعلوميات) هي الجهة الصالحة للفصل بين الاثنين بالوثائق والأدلة.
كما يشدد على أهمية الذاكرة كوسيلة او قوة لعكس الزمن واستيعابه وذلك كمدخل لتناول الديانات السماوية منذ المرحلة الابراهيمية بتصويرها كحالة قطع من الزمن، بل بتوصيفها كمنبع أو اس لجميع الرسل الذين أتوا من بعده تدريجياً ليصل الى الدعوة المحمدية التي أتت بالقرآن ذلك الكتاب الاعجازي في نصوصه (كثرة الضمائر، صيغ الأفعال، أسماء الوصل... كلها تقود الى تساؤل وحيد: من المتكلم؟؟) الذي لم يخفِ العروي اعجابه وانشداده له، بل تفضيله على باقي الكتب السماوية الأخرى. فينتقد تأويلات الفرق لنصوص القرآن كل لما ترضى أهواءها لدرجة استعار تلك المفارقة بينهم الى حدود المواجهات الدموية!!.
من خلال النصيحة للسائلة الأجنبية يتوجه للعموم داعياً قرّاء القرآن الى معرفة حقيقة النبي، طريقة عيشه المتواضعة، ومعرفة الأمة العربية المخاطبة بالكتاب الكريم وليس الى معرفة أفكار الأجداد والاسلاف التي أتت مؤولة بالتواتر بشكل مغلوط وبعد مرور قرن على تاريخ جمع القرآن! (يقصد السيرة النبوية المعتمدة اليوم) خاصة وأن الاسلام دعوة اصلاحية أخلاقية تخاطب الجماعة عبر التأثير بالفرد الظلوم الجسور. "وهل يستوي الأعمى والبصير".
يهزأ من ما وصلت اليه الأمور في أهل السنة من تمجيد للجهالة والأمية التي أضحت عندهم صفة حميدة وعنوان للبراءة والايمان الفطري الذي يتوجب الحفاظ عليه عند العموم، بمقابل قلة قليلة تكرس نفسها لتلقف العلم المطلوب والمكتسب بالطرق الشرعية ليس الا، وهي أي تلك العلوم ليست متاحة للجميع بل لعدد محدود من الوعاظ والخطباء، أصحاب الفطنة والعقل وبالتالي أصحاب السطوة المتجددة والمتوارثة لثقافة الاتباع لا الابتداع وليس لثقافة العين واليد التي تقوم على الملاحظة والممارسة، فسيتنتج ان هذا النهج قد شتت العرب وأفقدهم المبادرة التاريخية التي تكونت على يدي النبي خلال عقدين من الزمن "مرحلة النبوة الممتدة لنحو عشرون عام" فقسّمتهم الى ثلاث فرق وهم الخوارج الذي ينادون بحكم الجماعة باسم الله، أصحاب النفوذ والحكم الذين ينادون بحكم الاشراف، والشيعة الذي يوالون حكم أهل البيت. ما أدى الى تراجع العقل مقابل النقل وتعثر الباطن الظاهر!.
وقد توصل العروي في كتابه هذا الى رصد عدد من المفاهيم التي ترسخت في عقلية السنة بالمجال السياسي من خلال التجارب التي عرفتها منطقتهم منذ القدم (التجربة الفرعونية، القيصرية، والكسروية) وهي التي هيأت الأذهان برأيه الاعتناق: عقيدة التوحيد التي باتت مرتبطة بمفهوم الاستبداد (لا مجتمع دون طبقات... هل الكواكب متساوية؟... أوالملائكة سواسية؟..) وبالتالي يضحي مفهوم الديمقراطية مرادف للفوضى، والمساواة فتنة مقنعة. تلك البراءة الملازمة للسنة والمقرونة بالأميّة المطلوبة على الدوام للاستمرار بالرسالة الفطرية ذات العنوان التواضعي الذي يقر دوماً بالعجز والحاجة.
فالسنة تعيش حالة من الحذر والتأهب خوفاً من هجمات الخارج أو حتى مروق الداخل (كل جديد بدعة... كل منكر بدعة) وهي دوماً في حركية مستمرة، لكنه يراها من دون غاية فارغة المحتوى، تتنفس من خلال انعاشها المستمر وابرازاً لبنيانها لا تصحيحها أو تطعيمها فهي تعيش في جوّ الصقل والتنقية لكونها مطاردة ومحاربة باستمرار وهذا ما يبرر تقوقعها وتحصّنها دون غاية كما يستنتج.
فالمذهب السني يواجه مفارقة الزمن والأحداث، لذا بات يعمل آلياً على طمسها ودفنها، فيغرق أهله أكثر فأكثر في تأثيراتها وردود أفعالها (الفتنة الكبرى، الثورة العباسية، تفكك الخلافة، الهجمات الصليبية، الغزو العثماني، الاستعمار الغربي، الاستيطان الصهيوني...).
لكل هذه الأسباب لا يرى الكاتب مفراً من الاصلاح، وهذا الاصلاح برأيه لا يتم الا على يد البحث العلمي والمنطق السياسي، المرادف للعملانية أو الحياد المنشود الذي يفصل بين الأمور الدنيوية والآخروية (المعاملة مقابل العبادات) الا ان السنة ترى بهذا الخيار استسلاماً وتراجعاً ويراها الباحثون إحياءً حقيقياً وتجديداً.

[ الكتاب: السنّة والاصلاح
[ الكاتب: عبدالله العروي
[ الناشر: المركز الثقافي العربي، بيروت 2008


لبنان وسوريا .. تبادل التمثيل الديبلوماسي والمجلس الأعلى هل من تناقض؟

عماد الشدياق
من حيث المبدأ، تنقسم أجهزة العلاقات الدولية والديبلوماسية لدى الدولة الى جهازين، داخلي ـ مركزي يشمل رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية، بالإضافة الى بعض الوزراء وأفراد الندوات البرلمانية الذين دخلوا حديثاً هذا المعترك بفضل تطوّر العمل الديبلوماسي ونمو العلاقات بين الدول باطراد بفعل العولمة. وخارجي ـ لامركزي يضم أعضاء السلك الديبلوماسي والقنصلي. وتشكل اتفاقية فيينا للعام 1961 المدونة الحقيقية لتلك العلاقات، والمصدر الأول والأساسي للقانون الديبلوماسي الذي يرعى هذا النوع من العمل التبادلي الدائم والقائم على تنمية العلاقات الودية والسلمية بين الدول من خلال ما أسندت الى مبعوثيهم من مهام يقومون بها باعتبارهم أداة اتصال مباشر بين دولهم والدول المضيفة والتي تتلخّص بخمسة مهام رئيسية تترجح ما بين التمثيل السياسي، الحماية، التفاوض، تعزيز العلاقات وإنمائها في المجالات الاقتصادية والثقافية والعلمية، إضافة الى مهمة الاستطلاع وتقديم التقارير، وهي المهمة الهاجس لدى البعض خوفاً من أن تتحول مقار البعثات الى مفرزات مخابرات وأقبية للتجسس وحياكة المؤامرات كما هي الحال لدى بعض العامة والنخب في لبنان من الذين يتوجسون شراً لقيام التبادل الديبلوماسي الدائم بين لبنان وسوريا. علماً أن هذا المطلب إن تحقق، يستحق ان يفوز بلقب الوصيف الأول الذي يلي عيد الاستقلال لأهميته السيادية، ولما يعكس من طمأنينة معنوية ونفسية على مسلكية التواصل بين الطرفين لدى الجهات الرسمية والشعبية بحيث أنه سيشكل قاعدة حتمية للبدء بصفحة جديدة في التاريخ المشترك بين الجارين قائمة على الندية والاعتراف بالسيادة والاستقلال.
وقد استدركت الجمعية العامة الراعية لاتفاقية فيينا هول الضغوط والتماديات التي قد تتعرّض لها الدول الضعيفة والصغيرة من الدول الكبرى، ولهذا أكدت على تمتع المبعوثين الدبلوماسيين بالحصانات والامتيازات لضمان سير العمل الدبلوماسي، كما انها اكدت على الواجبات الملزمة للبعثات الدبلوماسية وأفرادها تجاه الدولة المعتمدين لديها ان كان لجهة احترامهم لقوانينها وأنظمتها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والابتعاد عن اي تصرف او تصريح يسيء الى سيادتها وكرامتها واثارة الفتن والاضطرابات فيها، كما حصرت مرجعية البعثات المباشرة لأعمالها بوزارة خارجية الدولة المضيفة، واقصت افراد البعثات عن ممارسة اي نشاط تجاري او مهني يعني بمصالحهم الشخصية.
اضافة الى انها حصنت الدول من خلال تكريس حقها في "الاستمزاج" لجهة اختيار افراد البعثات الدبلوماسية، ومنحها احقية اعتبار اي شخص من طاقم البعثة "شخص غير مرغوب فيه"، عند اي تماد او تجاوز.
من جهة أخرى، وبالعودة الى لبنان تختلط الأمور لدى العامة حول ملف العلاقات الدبلوماسية بيننا وبين سوريا لجهة ما يشاع عن الثنائية في التمثيل بين العلاقات الدبلوماسية الكلاسيكية المفترض تفعيلها والعمل بها عند مطلع السنة المقبلة كما هو مقرر، وبين المجلس الأعلى اللبناني ـ السوري الذي ابصر النور على خلفية معاهدة "الأخوة والتعاون والتنسيق" التي انشأت بدورها هيئات وأجهزة اخرى كهيئة المتابعة والتنسيق واللجان المشتركة الوزارية والفرعية المتخصصة.. والأمانة العامة المختصة بمتابعة وتنفيذ ما انبثق عنها من اتفاقات وهي حوالي 40 اتفاقية ومذكرة تفاهم تتعلق بالصناعة والزراعة والتجارة، اضافة الى الشؤون العدلية، السياسية، الأمنية والجمركية، التي تدخل في صلب العمل الدبلوماسي وتتقاطع مهماتها وصلاحياتها مع السفارة المزمع انشاؤها!
ويتألف المجلس الأعلى من الرؤساء الثلاثة في البلدين (رئيس الدولة، رئيس السلطة التنفيذية والتشريعية) الذي يضع السياسة العامة للتنسيق والتعاون في كافة المجالات، وتكتسب قراراته الصفة التنفيذية بمجرد صدورها وفقاً للنظم والأصول الدستورية في كلا البلدين، وقد فوض المجلس لهذه الغاية الأمانة العامة باعداد الدراسات والتقارير وتحضير جدول أعمال الاجتماعات وتلقي المذكرات والقيام بمهام امانة السر لأجهزة المعاهدة، حيث يرأسها الأمين العام ويكون مسؤولا امام المجلس عن حسن قيام اجهزتها بالمهام المحددة لها. فيكون الأمين العام بمثابة ممثل للدولتين لدى الدولتين، ولا يتمتع بأي نوع من الحصانات أو الامتيازات، وليس ملزماً بأية واجبات تجاه الطرفين لكون المعاهدة التي أوجدت المركز الموكل اليه لم تتطرق الى هذا النوع من الامتيازات بحكم "وحدة الحال" التي فرضها الوصي السوري، وأرست نوعاً من الازدواجية في التمثيل والمرجعية.
فلهذه الأسباب ولغيرها، اسلفت بعض الأصوات تطالب بإلغاء المجلس الأعلى المذكور كون العلاقات الديبلوماسية بشكلها الكلاسيكي في طور التكوين، إلا ان آلية إلغائه لن تكون بتلك السهولة المتوقعة عند بعضهم ما لم تتوفر القرائن التي يحددها ويقننها القانون الدولي العام المخول تفسير وتأويل اتفاقيات العلاقات الدولية والديبلوماسية.
بالتالي لا بد من التذكر مبدئياً، ان عملية الإلغاء أن أتت برضى الطرفين، فلا خلاف يذكر على هذا الصعيد استناداً الى أبسط المبادىء القانونية العامة: العقد شريعة المتعاقدين والتزام المتعاقد بما تعاقد عليه.
أما إذا امتنع أحد الطرفين عن الإلغاء، فيعود الحكم بذلك الى الشروط التي يحددها قانون المعاهدات الصادر في فيينا عام 1969، الذي يشير في مادته الـ60 الى كيفية انقضاء المعاهدات أو ايقاف العمل بها، ويدرجها تحت شرط "الاخلال الجوهري" بمضامين المعاهدات الذي يخول الطرف الآخر ايقاف العمل بها كلياً أو جزئياً. علماً ان المادة 74 تشدد على ان سريان المعاهدة لا يؤثر في ذاته على وضع العلاقات الديبلوماسية والقنصلية بين الدول المعنية، كما لا يحول قطع أو عدم وجود علاقات ديبلوماسية أو قنصلية بين "المتعاهدين"، دون سريان المعاهدة!
فهل إلغاء معاهدة الاخوة والتنسيق والتعاون أمر وارد؟
عملياً، يعتبر مطلب الإلغاء غير مجد ان لم يقترن بذاك الإخلال الجوهري الذي يهدد استمرارية المعاهدة تمهيداً للمطالبة بايقاف العمل بها أو لتعليقها، اضافة الى ان الاعتراض تحكمه آلية قانونية. تبدأ بإخطار الطرف الآخر بموجب مهلة زمنية محددة, وتنتهي في مراحلها المتقدمة عند إجراءات "التسوية القضائية والتحكيم والتوفيق". هذا مع العلم ان أعضاء المجلس المذكور هم بحكم الأنظمة الدستورية والدولية السائدة، جزء من أجهز العمل الديبلوماسي الداخلية، ولا يمكن الاستناد الى قيام التمثيل الديبلوماسي الكلاسيكي (على مستوى سفارة) كحجة للمطالبة بإلغاء المجلس الأعلى برمته لسبب بسيط مفاده ان الكثير من العلاقات بين الدول تمارس غالباً "ديبلوماسية القمم والمجالس" لتسيير شؤونها وحماية مصالحها (مجلس التعاون الخليجي، ديبلوماسية القمم العربية..) بل مطلب الإلغاء هذا يبدو سخيفاً في ظل ما يعترضه من عقبات قانونية، خارجية أتينا على ذكرها آنفاً، وداخلية لكون هذا القرار يتطلب أكثرية الثلثين في مجلس الوزراء استناداً الى المادة 65 من الدستور التي تذكر بالمواضيع الأساسية التي تحتاج الى أغلبية ثلثي عدد أعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها، وهذا ما لن يتحقق في ظل الحكومة التي أفرزها اتفاق الدوحة بصيغتها الحالية!
فلشبه استحالة إلغاء المجلس الأعلى واستناداً الى بعض التجارب المماثلة، يؤكد المطلعون في شؤون العلاقات الدولية ان دينامية السفارات ستتغلب على بيرقراطية وشيخوخة الأمانة العامة لكون الديبلوماسية تتطلب عملاً دؤوباً ومستقلاً ويومياً بل مختلفاً كلياً عن ذكريات الوصاية الإملائية خاصة في ظل الجو العربي والدولي السائد حالياً الذي يؤكد على ضرورة احترام استقلال وسيادة لبنان.


تنامي الدور التركي في الشرق الأوسط

عماد الشدياق
لعل المطلع على شؤون العلاقات الدولية يلاحظ الاهتمام التركي الذي ألم بمنطقة الشرق الاوسط في العقد الاخير، وتحديداً بعد ان تسلم حزب العدالة والتنمية الاسلامي الحكم في المؤسسات الدستورية الثلاث، وخاصة حينما استشعرت التململ الذي أصاب بعض الدول الاوروبية وترددها بالموافقة على ضم تركيا الى منظومة الاتحاد الاوروبي عبر التعجيز تارة ورفع سقف المطالب والحجج طوراً.
وبالرغم من أن تركيا تعتبر حليفاً استراتيجياً للغرب، يستعصي على اي مراقب عدم ملاحظة التبدل الذي أصاب المنطقة الشرق ـ أوسطية الذي فرض على شاغليها قائمة من الاولويات والمتغيرات في السياسة الخارجية. حيث كان الوجود التركي في المنطقة يستمد ركائز حضوره الدولي والاقليمي من علاقاته الوثيقة مع القوى الدولية الفاعلة خارج فضائه الجيوسياسي والجيواستراتيجي والحضاري. من جملة تلك المتغيرات، الاحتلال الاميركي للعراق في العام 2003 وما نتج عنه من توترات بين تركيا والولايات المتحدة، كذا التردد في قبول عضويتها في الاتحاد الاوروبي، إضافة الى تنامي النفوذ الايراني شرق أوسطياً وخاصة في سوريا، العراق، لبنان والاراضي الفلسطينية المحتلة (قطاع غزة) ما دفع بالجانب التركي الى إعادة دراسة سلم اولوياته الخارجية.
كما وان الجفاء الذي ساد بين تركيا والدول العربية من جهة أخرى، يعود تاريخياً الى العديد من المواقف التي اتخذتها الحكومات التركية المتعاقبة، ما زاد من حجم الهوّة الفاصلة بين المجتمعات العربية ونظيرتها التركية التي توجهت نحو الغرب المتقدم على أيدي الحركة الاتاتوركية بعد إلغاء المظاهر الاسلامية والعربية (كمنع الآذان واستبدال الحروب العربية باللاتينية)، أضف الى ذلك النزاعات الحدودية التي سلكت طريقها مع دول الجوار بعد تقسيم تركة الرجل المريض، بالاشارة الى لواء اسكندرون مع سوريا ولواء الموصل مع العراق، ناهيك عن التحالفات التركية مع الغرب التي هدفت الى وقف المد القومي العربي في مرحلة الخمسينيات وما تلاها، بمقابل دعم عربي كيدي لحركة العمال الكردستانية المعارضة في تركيا التي وصل في أوجها الى شفير المواجهة المباشرة مع سوريا في خريف العام 1998 بسبب إيواء المعارضين ودعمهم (عبدالله أوجلان ومناصريه).
ومن الاسباب المباشرة التي دفعت بالدول العربية الى حدود المقاطعة لتركيا فيما مضى، كانت علاقاتها المناوئة للموقف القومي العربي الرافض الاعتراف باسرائيل وإقامة العلاقات معها، بحيث ان تركيا كانت أول دولة اسلامية اعترفت بالدولة الاسرائيلية في العام 1948، باستعمالها لهذه الورقة كمطية لتأكيد الانسلاخ عن المحيط العربي والاسلامي والتي أسست لاحقاً الى تحالف عسكري ـ استراتيجي بين الطرفين، والذي ذخّر الجانب التركي بالمعدات العسكرية والوسائط التجسسية لمواجهة المعارضين ولتحديث قدراتها القتالية.
فبالاشارة الى الاسباب الآنفة الذكر، وبغض النظر عن دخول تركيا الى الاتحاد الاوروبي أم لا، خلق وصول الاسلام السياسي المتحضر الى سدة الحكم جو تبادلي في الاولويات التركية التي رسمت لنفسها ذاك الدور المحوري والاقليمي الفعال في منطقة الشرق الاوسط بمعزل عن أي وسيط أو رافعة، معتمدة في ذلك على مبدأي "التوازن والاعتدال" بحيث أقحمت تركيا نفسها في مجمل قضايا الشرق الاوسط والعالم العربي من خلال عمليات الوساطة في تسوية النزاعات والخلافات، ان كان برعايتها للمفاوضات الدائرة بين سوريا واسرائيل (بمراحلها الغير مباشرة والمباشرة) أو عبر إظهار استعداداتها لتبني وساطات مماثلة بين اسرائيل وكل من بيروت وفلسطين المحتلة، وكذلك تطوعها بالدخول على خط التهدئة والوساطة بين الغرب وايران لحل المسألة النووية الايرانية.
وقد عادت بجدية الى الساحة الافريقية حيث استضافت في الصيف الماضي أول قمة تركية ـ افريقية ضمت 53 رئيساً للدول والحكومات، بمشاركة أمين عام جامعة الدول العربية لمناقشة سبل تعزيز الشراكة والتعاون بين الطرفين في مختلف المجالات، محاولة في ذلك أيضاً حشد الدعم الافريقي لترشحها عن المقعد غير الدائم في مجلس الامن لعامي 2009 ـ 2010.
في السياق نفسه لم تتأخر تركيا بالانفتاح على دول مجلس التعاون الخليجي من خلال مذكرة التفاهم التي وقعتها في أواخر العام الماضي، تمهيداً لعلاقات استراتيجية وثيقة تجمعها بالاطراف الخليجية على كافة الاصعدة لتؤطر لاحقاً بشراكة تجارية متينة.
كما ولم تنس تركيا القضية العربية المركزية، إذ اندفعت مؤخراً لوقف النزيف الفلسطيني في غزة مستغلة في ذلك علاقاتها المشتركة مع العرب واسرائيل، حيث أبدى أردوغان منذ الايام الاولى للعدوان، استعداده لنشر مراقبين أتراك على معبر رفح (يبدو ان هذا الاقتراح يستعد ليوضع موضع التنفيذ بعد وقف اطلاق النار بين الطرفين) ولم يتوان عن توجيه الانتقادات الى الحكومة الاسرائيلية، وقد تم تسيير المظاهرات احتجاجاً على ما يرتكب مع مجازر بحق الشعب الفلسطيني (التظاهرة المليونية لحزبي السعادة والعدالة والتنمية الاسلاميين).
هذا التنامي المتصاعد للدور التركي في منطقة الشرق الاوسط، بمقابل الضعف والتردي للمنظومة العربية، وبالتوازي مع الفشل الاسرائيلي الذريع في اقتباس دور الحارس للمصالح الغربية في المنطقة، وبوجود المد الفارسي الذي يهدد الشرق الاوسط بالحديد والنار! يستجد النموذج التركي، الديموقراطي، المعتدل ليوازن في معطيات المعادلة الشرق أوسطية ويطرح نفسه كبديل سلمي الطابع عن لمشاريع الممانعات المشبوهة كالتي تُطرَب لسماعها يومياً!


السلام المؤجل بين سوريا وإسرائيل

عماد الشدياق
بعد أن أجبرت إسرائيل على وقف إطلاق النار على وقع قرع طبول البيت الأبيض استقبالاً لرئيسه الجديد، وبعد أن تمت المصالحة بين الزعماء العرب من جهة والرئيس السوري من جهة أخرى (أقله على ما يبدو حتى الآن)، يتطلع المجتمع العربي والعالمي لمعرفة ما ستؤول إليه الأمور حيال ملف المفاوضات الموسمية بين سوريا وإسرائيل. تلك المفاوضات التي باتت أشبه بقصة الذئب والراعي الذي يستغيث من شره فيكتشف مغيثوه خداعه في كل مرة.
إلا أننا بمعزل عن صدق النظام السوري أو تلكؤه في هذا المجال، نرى أن المفاوضات المزمع استئنافها عما قريب، لن تسلك طريقها نحو النجاح لعدة أسباب يشترك الطرفان في إخراج بعضها بشكل وظيفي، ويختلفان ببعضها الآخر لضرورات وجودية.
فبالرغم من الحماسة التي أبداها رئيس الولايات المتحدة الجديد حيال الصراع العربي الإسرائيلي وفلسطين المحتلة تحديداً في خطاباته وتحركاته الأولى داخل البيت الأبيض، إلا أن وصول رئيس حزب الليكود بنياميو نتنياهو الى سدة الحكم في الانتخابات النيابية المرتقبة في العاشر من شباط (كما هو متوقع وظاهر في أحدث استطلاعات الرأي في الداخل الإسرائيلي) قد يكون وقعه كطلقة الإعدام في رأس المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية، لكون التاريخ السياسي للمذكور يشهد على انه من أشد المعارضين لفكرة الانسحاب من الجولان المحتل.
إضافة الى ان مسألة توقيت تلك المفاوضات يشير الى حتمية فشلها أو تعليقها على شاكلة الجولات الاثنتي عشرة التي حصلت من قبلها منذ العام 1992 وحتى اليوم، كونها لم تكن وليدة ظروف ومعطيات جديدة، بل كانت تنطلق في كل مرة من ما توقفت عنده دون أن يقدم الطرفان أي جديد في هذا المجال. خصوصاً وأن الجبهة السورية الصامتة صمت القبور، لا تزال على حالها طوال أكثر من ثلاثين سنة (منذ حرب 1973)، ما يطرح التساؤل لدى الجانب الإسرائيلي عن جدوى الانسحاب من الجولان أو عدمه في خضم انتفاء الضرر المترتب عليهم من رفض الانسحاب، بمعنى آخر تفتقد آلية التفاوض الى المحرك أو الدافع (العمل المقاوم) الذي يدفع عادة أي عملية تفاوضية الى رضوخ أطرافها عند نقطة وسطية تجمع المتخاصمين!
أضف الى ذلك الاعتبار المتحفظ الذي يتوقف عنده الإسرائيلي من سلامه مع سوريا النظام وليس سوريا الشعب، فإذا تم السلام مع النظام الحالي هل ثمة ما يؤكد التزام أي نظام آخر بمفاعيل مطلق أي اتفاق قد يجمع بين الطرفين؟ ومن يضمن ذلك؟ خصوصاً وأن السلام مع إسرائيل يهدد وجود النظام الحالي في سوريا ويجعله عرضة للتغيير ويشرّعه ساحة مفتوحة أمام الانقلابات تحت وقع المطالبة بالديموقراطية والتغيير.
لقد أهدى الإسرائيلي في احتلاله للجولان حجة يتلطى بها النظام السوري في ممارساته المخابراتية القمعية على أبناء جلدته، ومكنه من مواصلة إعلان حالات الطوارئ عند أي خطر داهم، وجعله من هذا الاحتلال شماعة يعلق عليها أي تصرف لا يخدم مصلحة النظام ووجوده، تحت عناوين الممانعة والتصدي...
علماً أن هذا التفاوض المزعوم والمعلق حالياً، وجد طريقاً له في لحظة ضرورة لدى الطرفين، حيث كان الإسرائيلي يحاول تخطي الضعف الذي أصاب حكومته على خلفية حرب تموز وما تلاها من فضائح وتحقيقات (لجنة فينوغراد، الرشاوى المالية لرئيس الحكومة...)، وفي لحظة تخلي وعزلة أصابت النظام السوري بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما تلاها (الانسحاب من لبنان، ملف المحكمة الدولية، العلاقات المتأزمة مع الدول العربية...) أما الآن وقد انتهت مفاعيل تلك الضغوطات خصوصاً بعد الحرب الأخيرة على غزة، لم يعد ما يبرر استكمال التفاوض بعد أن انسحب الوسيط التركي الداعم للسلام، فبات من الصعب جداً استئنافها، أقله في الوقت الحاضر لحين تبلور الموقف الأميركي الجديد، ولحين تبصر الدينامية الإسرائيلية ـ اليميني الجديد.


اللغة الأم.. مخاوف وتحديات

عماد الشدياق
تحتفل منظمة الاونيسكو في الواحد والعشرون من شباط عند كل عام باليوم العالمي للغة الأم، كتقليد أخذته على عاتقها منذ العام 1999 يهدف الى الدفاع عن التنوع اللغوي، ويمثل لحظة تأمل في اللغات المحلية المهددة بالانقراض، من خلال تقصي الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة التي طافت على وجه الاهتمامات الدولية عشية استفحال الأخطار المتأتية جراء العولمة، فتصر منظمة الاونيسكو على ضرورة التنوع اللغوي الذي يعني ضمن ما يعنيه أيضاً إحياء غير مباشر للتنوع الثقافي والحضاري.
فاللغة الأم، وعلى خلاف ما تحمله من قيم الجماعات وهويات أفرادها الاجتماعية، وعلاوة على دورها في الاقتصاد العالمي، تدل الى تلك العلاقة الحميمة التي تربط الانسان بذاته، فهي الانسان نفسه ووسيلته للتواصل مع الآخرين وأدائه المعرفية والثقافية، بل "هي البعد الأساسي للكائن البشري". ويشكل تعزيز هذا التنوع أو التعدد في مجالات التعليم والثقافة، وفي وسائل الإعلام والحياة العامة، شرطاً جوهريا لضمان المساواة بين اللغات والشعوب في الانتفاع من التعليم والمعارف.
وفرصة محورية في مشاركة الجميع بكبح جموح العولمة بواسطة ما اصطلح على تسميته منذ العقد الأخير من الألفية الثانية بالتنمية المستدامة، وتنظر المنظمة الدولية لمشاريعها (تعزيز التنوع الثقافي، حوار الحضارات والثقافات، التعليم، بناء مجتمعات المعرفة) نظرة فشل ما لم يلتزم الجميع بالعمل على تعزيز اللغات وضمان تعددها، فتشير بهذا الصدد الى التعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص من الحكومات والمنظمات الدولية والغير حكومية، المجتمع المدني، والهيئات التعليمية لردم الصدع ونشر السياسات الحمائية للغات المهددة بالانقراض في العالم، وسط ما تنشره من احصاءات مخيفة بهذا الشأن في "أطلس اللغات المهددة في العالم" عند كل 21 شباط فتشير الى أن نصف لغات العالم والبالغة نحو 6700 لغة مهددة بالانقراض، في حين ان 96% منها محكية من قبل 4% من سكان العالم فقط، وكل أسبوعين من السنة يشهدان على اندثار واحدة من تلك اللغات، كما يحدد خبرائها بأن أية لغة تدخل مرحلة الخطر حينما يتوقف أكثر من 30% من أولاد أي جماعة ينطقون بها من تعلمها؟ ويصيبك الهلع عندما تدرك حجم تمثيل لغات العالم في المجالات الرقمية بمقابل الانكليزية التي تحتل 50% من مواقع الانترنت ويوزع الباقي على مجمل لغات العالم (4% للغة العربية فقط).
متى تتعرض اللغة الى خطر الاندثار؟
يجيب الخبراء عن هذا السؤال بتشخيص عدد من الأعراض التي تصيب أي لغة في العالم، فحينما تتوقف جماعة ما عن التحدث في لغتها الأم، أو حين تحصر استعمالها في مجالات بسيطة ومحدودة، فتحرم أجيالها القادمة من توارثها. وقد تندثر لغة ما لأسباب خارجية وغير إرادية (عسكرية كالتجربة السوفياتية، واقتصادية كما يحدث في بعض المدن الخليجية حيث تسود اللغة الانكليزية لضرورات العمل، أو دينية كمثل الكيان الإسرائيلي الذي يفرض اللغة العبرية على المستوطنين الجدد القادمين من أقطار المعمورة) كما يعتمد هؤلاء الخبراء منهجية تقييمية لحيوية اللغات وما يحدق بها من أخطار من خلال تسعة عوامل معيارية تسعى مجتمعة في تصنيف مستوى الخطر المحدق بأي لغة على شفير الانقراض، كعدد المتكلمين باللغة نسبة الى حجم السكان، ردة الفعل تجاه المجالات الرقمية المستحدثة، نسبة استعمال اللغة في القطاعات العامة والخاصة، إمكانية توارث اللغة عبر الأجيال، نوعية التوثيق، وتوفر آليات التسجيل والتلقين والحفظ.
ويذكر لمنظمة الاونيسكو من إنجازات معيارية في مجالات الحماية اللغوية والثقافية كالإعلان العالمي بشأن التنوع الثقافي وخطة العمل لتنفيذه (2001)، اتفاقية حماية التراث الثقافي غير المادي (2003)، توصية بشأن تعزيز التعدد اللغوي واستخدامه وتعميم الانتفاع بالمجال السيبرني (2003) واتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي (2005).
أما على صعيد المبادرات الميدانية، يجري عمل المنظمة في إطار قطاع التربية على نشر التعليم المتعدد اللغات، اللغة الأم، لغة وطنية أو إقليمية، ولغة دولية. كما تدعم اللغات المهددة بخطر الاندثار بوصفها كحاضن للتراث غير المادي، عبر مساندة قطاع صناعة النشر والترجمة باللغات المحلية.
إلا ان المتخصصين في هذا المجال يشيرون الى ان الشهرة العالمية التي تحظى بها أية لغة لا تتوقف على عدد الناطقين بها فقط، بل تتعدى ذلك نحو مستواهم التعليمي والثقافي ونشاطاتهم الاقتصادية، فاذا توفرت فيهم هذه الشروط ازدادت الحاجة الى ترجمة أعمالهم الثقافية والفكرية، وهذا ما تفقده لغتنا العربية للأسف بسبب ما أصابها من عجز من توليد الفكر وانتاجه، علماً ان حركة الترجمة من العربية قد زادت بعد أحداث 11 أيلول (الحافز لذلك كان عامل الخوف من العرب والمسلمين وليس طمعاً باكتساب المعارف والعلوم).
لم تعد مسألة اللغة تقف عند حدود التواصل مع الآخرين، بل تخطت تلك المرحلة وأصبحت تمثل جزءاً لا يتجزأ من السيادة الوطنية التي ينبغي الدفاع عنها كالدفاع عن أي شبر من التراب الوطني، فيكفي ان نشير الى تجربة الاتحاد الأوروبي التي كسرت كل مقاييس الاندماج في المجالات السياسية، الاقتصادية، الأمنية، القضائية... ووقفت عند حدود اللغة، حيث يعمل في مؤسسات الاتحاد الأوروبي نحو 4000 مترجم فوري وتحريري بغية حماية الشرعية الديموقراطية للاتحاد، كما يصف الموقف القيمون عليه؟


الحرب الاستباقية كمفهوم أميركي جديد للردع

[ الكتاب: استراتيجية الردع / العقيدة العسكرية الأميركية الجديدة
[الكاتب: الدكتورة سوسن العساف
[الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت 2008

لم يشكل أفول الثنائية القطبية في مطلع التسعينات وانتصار المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية مناسبة لوقف سياسة الردع في العالم، حيث ان انعدام التماثل في القدرة والقوة لم يبشرا بنهاية الردع، الذي بقي خير تمثيل عن العلاقة التفاعلية بين الأطراف المتصارعة (الدول غالباً) ولو اختلفت الأدوات.
وبناء على المعطيات السالفة الذكر تنطلق الباحثة من فرضية رئيسة في كتابها مفادها التأكيد على دوام الردع كاستراتيجية تمارس وجودها في العلاقات الدولية ولكن بصور مختلفة عما كانت عليه ابان الحرب الباردة، إذ انها باتت تجمع نحو إلغاء وتضييق الحدود الفاصلة ما بين الدفاع والهجوم في المفاهيم العسكرية التقليدية.
وتمهيداً لإثبات صحة افتراضها، تحصي المظاهر الرئيسة للردع بأربع وهي الردع بالعقاب، الحرمان، المكافأة وأخيراً الردع بالتطمين، حيث لا ترى مفراً من التفرقة بين الأزمة والردع الموجود حكماً في صلب الأزمة وأحد مكوناتها، أما الحرب فتبدأ عند عتبة الفشل في ايصال الردع الذي يعتمد على التأثيرات النفسية بشكل رئيسي على عكس الإرهاب الذي يلجأ إلى استعمال العنف والقوة مباشرة ومن دون أي انذار مسبق.
في هذا السياق تحدد الباحثة شروط الردع وأشكاله ومستوياته وتلخصها بالقدرات التي تتمتع بها الجهة الرادعة، والمصداقية (وهي البُعد السيكولوجي لإستراتيجية الردع) التي تهدف إلى إيصال رسالة أو قناعة إلى الخصم توقنه باستعمال القوة تجاهه ما لم يستجب للردع، فالرادع يمتلك كلاً من القدرة والإرادة لتنفيذ تهديده ووعيده تجاه أخصامه. والعقلانية، أو التفكير غير الجنوني لحل الصراعات والنزاعات التزاماً بالمعايير الأخلاقية والمعنوية لحل المشاكل التي تواجه الدول.
أما المعلوماتية التي تُحسب من ضمن الشروط الأساسية في نجاح ومضاعفة الفعالية في السياسات الردعية (السرية ليست شرطاً دائماً للنجاح، فيضطر الرادع إلى تسريب بعض المعلومات لنجاح تأثيره النفسي). وأخيراً خبرة الرادع المتعلقة مباشرة بصانع القرار لدى الدول وخلفياته الفكرية وسلوكياتهم ومدى ادراكه لمستوى الخطر القائم بالتزامن مع حجم القدرات الذاتية والامكانات والظروف الدولية المرافقة للعملية كلها..
يتأثر مفهوم الردع بالمتغيرات التي تصيب النظام الدولي الذي يرضخ للانعكاسات والتفاعلات السياسية المغذية له والتي تحدد بالمبدأ صورته النهائية وشكله الذي يطل به على العالم (احادي، ثنائي أو تعددي..) ومن أهم المتغيرات التي أصابت النظام الدولي في القرن الماضي وأكثرها تأثيراً كان التحول في صيغته من الثنائية إلى الاحادية التي أدت إلى بناء استراتيجية لقائد العالم (الولايات المتحدة الأميركية) في ظل غياب مهدده الأول، بالتزامن مع ما سبق تلك الحقبة من امتلاك الدول للسلاح النووي تباعاً، أضف إلى هذا كله الثورة التكنولوجية التي حملت الولايات المتحدة إلى الصدارة في مجال رسم أهدافها الاستراتيجية بعد أن كانت تُختصر ابان الحرب الباردة بالحصر والاحتواء، الرد الشامل والمرن أو التدريجي، الحروب المحدودة، والدفاع الاستراتيجي أو ما عُرف حينها بحرب النجوم.. وبالتالي تحوّل من الردع التقليدي إلى استراتيجية الحروب الوقائية والاستباقية سعياً لمعالجة نيات العدو (؟؟) حتى قبل بروزها، خصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001.
وقد برزت مفاعيل تلك المعطيات الجديدة خصوصاً بعد انهيار مفهوم الأمن القومي القائم على الردع النووي والصاروخي، نسبة للخسائر الفادحة التي منيت بها على أيدي قلة قليلة من الأفراد (شبكة القاعدة التي استهدفت مركز التجارة العالمي ووزارة الدفاع) بالتزامن مع اضمحلال اسطورة أجهزة السلطة الفدرالية وأجهزة المخابرات التي أخفقت في تحديد منفذي اعتداءات 11 أيلول أو حتى منعتهم من ارتكابها، فوجدت الولايات المتحدة الاميركية من تلك الأحداث دافعاً محفزاً لاستكمال سياستها الكونية الرامية للسيطرة على العالم، وسلكت لذلك منحى استراتيجي جديد يسعى للإبقاء على التحكم بالنظام الدولي بشكل احادي وفقاً لأربع اتجاهات تعتمد بالمبدأ على تأمين الحلفاء والأصدقاء، وإيقاف احتمالات الصراع العسكري عبر سيطرتها على العالم بالمنظور البعيد من خلال ردع التهديدات والأفعال الإكراهية ضد مصالحها، واستخدام القوة ان فشلت القدرة الردعية ودعت الحاجة إلى ذلك، وتترجم تلك الاتجاهات من خلال الجهوزية الكاملة على خوض أكثر من حرب اقليمية مع بذل أقصى الجهود في سبيل منع انتشار أسلحة الدمار الشامل بالتزامن مع عرقلة أية محاولة تنامي لأي قوة اقليمية يرجح تمكنها من استهداف أمن الولايات المتحدة ومصالحها في العالم من خلال الاستجابة للأزمات الواسعة النطاق عالميا وإعادة تركيز القوات والقواعد الاميركية وتحديث منظوماتها التسلحية. وتستنتج الباحثة من ما أسلفنا ذكره بأن استخدام القوة العسكرية من قبل الولايات المتحدة سيبقى مناسبة متكررة في منطقة الشرق الأوسط، وتستدرك عن نظرية الحتمية التاريخية فيما يختص بصعود وهبوط الامبراطوريات تاريخياً، بأن الولايات المتحدة توجت نفسها أصلاً قوة عظمى منذ 70 عاماً وهي الآن في مرحلة الشباب والعنفوان نسبة لعمرها الحالي، إذ أنها تحتاح لأكثر من 130 سنة حتى تصل لمرحلة الشيخوخة، متلمسة صحة ما تقول من المؤشر العسكري الذي يشير إلى الانفاق المطرد المتبنى في ميزانيتها، إضافة إلى الناتج القومي الاجمالي الذي يرتفع أكثر من واحد تريليون دولار كل سنة، ناهيك عما تنفقه من ميزانياتها على البحث العلمي (8.2%) من ناتجها القومي وهو أكبر معدل في العالم. فهل لها بعد كل تلك المؤشرات أن لا تكون قطب العالم الأوحد؟

مراجعة: عماد الشدياق


حركة عدم الانحياز الى أين؟

عماد الشدياق
شكلت حركة عدم الانحياز، منذ نشأتها في العام 1961 وخلال مؤتمر بلغراد التأسيسي على يد الثلاثي (جواهر لال نهرو، جوزيف بروز تيتو، وجمال عبد الناصر، أكبر تجمع دولي خارج إطار منظمة الأمم المتحدة، وتزايد عدد أعضائها الى أن بلغ الـ118 حتى اليوم، وكانت في حينه من أهم إنجازات دول العالم الثالث على الإطلاق حيث أضحت ملاذها في إقامة علاقات دولية سليمة بعيدة عن سياسات الأحلاف التي كانت سائدة في ظل الثنائية القطبية، إلا أنها تطورت مع مرور الزمن وبفعل المتغيرات الدولية (انهيار المعسكر الشرقي وانتصار النظام الرأسمالي) من حركة تؤكد على مبادئ الأمن والسلم الدوليين وتنبذ الانقسام العمودي الذي أصاب العالم بين شرق وغرب على المستوى السياسي والعسكري، الى قوة تعنى بأمور العالم الثالث وتهدف الى إصلاح النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي الدولي بهدف رأب الصدع الأفقي الناتج عن الصراع بين الدول الغنية والدول الفقيرة (العالمثالثية) داخل النظام الدولي الواحد. وكان قاسمهم المشترك الى ذلك مبدأ رفضهم للهيمنة الاقتصادية ونهب المواد الأولية على أيدي الشركات عبر الوطنية وأزمات المديونية التي يعانون منها لصالح المؤسسات المالية الدولية.
وعلى الرغم من أن حركة عدم الانحياز لم تأخذ طابعها التنفيذي إلا في سنة 1973 عشية مؤتمر الجزائر، من خلال اعتناقها لبرنامج سياسي واقتصادي يرمي الى طرح نظام اقتصادي دولي جديد، إلا أنها وعلى مدى ستة وثلاثين سنة لم تتمكن من تحقيق أي من تلك الطروحات، حتى تسميتها لم تعد تفي بمضمونها بعد زوال الثنائية القطبية وتربع الولايات المتحدة على عرش "امبراطورية النظام العالمي" التي باتت اليوم تجذب بهيمنتها وسطوتها أغلب أعضاء الحركة المذكورة بفعل التأثيرات السياسية والاقتصادية وحتى الثقافية على العالم برمته.
أكثر من ذلك، يختلط على المراقب دوام سعيهم للفوز بعضوية المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية من اللواتي يشتكون منها ومن ممارساتها تجاههم (منظمة التجارة العالمية، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على سبيل المثال)، من دون أن يحركوا ساكناً في هذا المجال لناحية لمّ شملهم ضمن منظومة اقتصادية اندماجية، تقف سداً منيعاً بوجه من يتذمرون من انتهاكاتهم وتعدياتهم، هذا إذا لم نتطرق الى كشوفات حساباتهم في ناديي باريس ولندن، والى سياسات التثبيت والتكييف الهيكلي المفروض عليهم من البنك وصندوق النقد الدولي.
بل إنها فشلت حتى الآن في تطوير برنامج تنموي محدد للتعامل مع ما يعترضها من صعوبات وأخفقت في تبني سياسات قابلة للتنفيذ بما يخدم مصالحها الاقتصادية، فاقتصرت تحركاتها في الفترة السابقة على إطلاق نداءات الاستغاثة كمحاولة لإسماع أصواتهم للعالم الغربي، ولكن لم يسجل لهم في هذا المجال أي نجاح في تطوير سياسات محددة أو اتخاذ إجراءات ملموسة قابلة للتنفيذ، ناهيك عن عدم وجود أي آلية ملزمة لتنفيذ ما يصدر عنها من قرارات حيث بقيت تدور في حلقة التوصيات غير الملزمة لا القرارات التنفيذية الحقيقية.
حركة عدم الانحياز اليوم تعاني من أزمة مصداقية تجاه المجتمع الدولي ويشوبها التهالك في قدرتها على الحركة في غير صعيد خصوصاً في مجال العلاقات الدولية، حيث مستقبلاً يفترض أن تلي مصر الدولة الإيرانية الى رئاسة المنظمة في العام 2012 الأمر الذي سيثير الجدل نتيجة لما يلحق بها من اتهامات بعسكرة ملفها النووي وأخطاره الأمنية على منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؟.
أضف الى هذا تنوع الخلافات الموجودة أصلاً بين الدول الأعضاء كالأزمة في كشمير بين الهند وباكستان والنزاع بين السودان وتشاد وبين اريتريا وأثيوبيا، إضافة الى الخلافات بين الكويت والعراق... ما قد يزيد في منسوب الامتعاض والتذمر من عدم جدواها وفعاليتها، على الرغم من القدرات التي تمتلكها بعض الدول الأعضاء إن كان على المستوى السياسي أو الاقتصادي والمالي (الهند، البرازيل، السعودية، مصر، إيران وباكستان...) إلا أنها لن تتمكن من استثمارها بما يخدم مصالح الدول النامية وتطلعاتها بفعل الواقع الدولي الجديد الذي فرضته الأحادية القطبية (ولو لم يقرّ البعض بها حتى الآن).
قيمة أي مؤتمر أو لقاء دولي تقيّم نجاحاته على قدر ما يترك من آثار بعد انتهائه، فهل باتت قمم واجتماعات حركة عدم الانحياز نوعاً من أنواع الفولكلور الدولي؟.


عن تعقيدات الصراع في إقليم دارفور

مراجعة: عماد الشدياق
كانت الأزمة في دارفور نتيجة حتمية تنتظر انفجارها في اللحظة التاريخية المؤاتية بالتناغم مع المعطيات المحلية، الإقليمية والمتغيرات الدولية، كما يؤكد الكاتب في مستهل كتابه.
لقد كان السودان منذ استقلاله في حالة صراع داخلي بين من يملكون الثروة والسلطة وبين والذين لا يملكونها، دولة مضطربة فشلت نخبها السياسية الحاكمة في تحقيق التوازن السياسي والعدالة الاقتصادية والاندماج الاجتماعي المطلوب لتحقيق الاستيعاب الثقافي للعبور الى الدولة، ويضيف الى جملة الأسباب التي أدت الى ظهور الصراع في دارفور وحيث يصفه بالنزاع المعقد أو (Complex conflict) موقع السودان المميز أصلاً، فضلاً عن موارده الكبيرة والمتنوعة التي شرعت الأبواب أمام الأطماع الدولية.
فبات السودان يعاني من أزمة التكامل القومي، وما زال حتى اليوم بحالة "أمة في طور التكوين"، فيرد السبب الأساسي لهذه الحالة الى الحدود المصطنعة التي وضعها المؤتمرون في برلين (1884 ـ 1885) بحيث أنها لم تعبر حقيقة عن الواقع الأثني والديموغرافي للمنطقة من خلال ربطها بين جماعات لا تمت الى بعضها بصلة (لا في العرق ولا في الدين ولا حتى في اللغة) بالتزامن مع فشل الرؤى السياسية في معالجة تلك الفجوة من خلال العمل على صهر مكونات السودان الأثنية في بوتقة واحدة لإحداث التكامل القومي المنشود، على الرغم من أن هذا التنوع يشكل أحد أهم مصادر إثراء الأمم، لكن محاولات التسييس والشحن حولته الى قنابل موقوتة داخل المجتمع السوداني.
ويعلل الكاتب الزيادة في منسوب التخلف في السودان من خلال الإشارة الى أسباب رئيسية لعبت دوراً محورياً في ظهور الحركات المسلحة في اقليم دارفور ودفعت الأمور الى نقطة اللاعودة وهي: النزاع على ملكيات الأراضي الزراعية على خلفية الجفاف والتصحر، بالإضافة الى الشح في مصادر المياه والاقتتال عليها بالتزامن مع الغياب الفاضح للمشاريع التنموية والقصور في سياسات التعليم. كما يربط استفحال الصراع في الإقليم بعوامل أخرى تتعلق بالكوارث الطبيعية وظاهرة النهب المسلح، بالإضافة الى العوامل السياسية المحلية الضاغطة تناغماً مع صراعات دول الجوار (تشاد وليبيا) التي وجدت في اقليم دارفور ساحة لها لتسوية الخلافات في ما بينها.
وتطرق الكاتب الى الدور الخفي وراء تصاعد العنف في اقليم دارفور مشيراً في هذا الصدد الى موقعه الجيوبوليتيكي (أكبر دولة إفريقية ولها حدود مع تسع دول) بالإضافة الى مخزون الثروات السودانية المدرجة على أجندات الدول الغربية بشكل غير معلن، نظراً لأهميتها الاستراتيجية الكبرى. حيث زاد الاهتمام الأميركي بالسودان بعد أن تمكنت الأخيرة من استخراج النفط وتصديره الى الخارج عبر الشركات الصينية والآسيوية، ولم تنس القرارات التي اتخذتها الحكومة السودانية بهذا الصدد حيث طردت إحدى الشركات الأميركية النظيرة. فالصين تستهلك 3/1 من احتياجاتها النفطية من القارة السمراء، كما أن الولايات المتحدة الأميركية رسمت خطة نفطية لها ترمي للحصول على ربع احتياجاتها النفطية من إفريقيا بحلول العام 2015، أضف أن اقليم دارفور يضم واحداً من أكبر وأنقى حقول اليورانيوم والنحاس في العالم، ما يجعله عرضة للتجاذبات الدولية ومحط أطماع القوى العظمى.
وانطلاقاً من المعطيات السالفة الذكر، تذرعت الولايات المتحدة الأميركية بفشل الحكومات السودانية والاتحاد الإفريقي في ضبط الأوضاع في اقليم دارفور ودفعت بهذا الملف الى مجلس الأمن الدولي بحجة تهديده للأمن والسلم الدوليين، وذلك للضغط على الحكومة السودانية بغية موافقتها على دخول القوات الدولية الى الإقليم. وهذا ما أدى الى تفاقم الأزمة وتعقيدها، وبالتالي نقلها من الحيز الاقليمي الى المجال الدولي الرحب، يحث صدر عن مجلس الأمن حتى تاريخه 14 قراراً دولياً، ترافقاً مع أكبر عملية تدفق أسلحة وأموال الى الإقليم، ناهيك عن حالة الاستنفار والترقب لنزاع لم يشهده العالم من قبل كما يصفه الكاتب.
وقد احيل ملف التحقيق في جرائم دارفور الى المحكمة الجنائية الدولية من خلال مجلس الأمن بالرغم من أن السودان ليست عضواً فيها (القرار رقم 1593 الصادر في 13 أيار 2005) الذي ووجه بالرفض من الحكومة السودانية والعديد من الدول الإفريقية والعالمثالثية لكونه بقي صورياً ومشوهاً للعدالة بنظرهم لا يضم أي نص قانوني حائز على الإجماع الدولي.
في خاتمة بحثه عن المشكلة في اقليم دارفور يطرح الكاتب أربع محاور ولا يرى مناص من الشروع في معالجتها لحل الأزمة السودانية ككل، فينطلق ألواً من أزمة الهوية التي يعاني منها المجتمع السوداني، فيؤكد على أهمية جمع الفسيفساء الأثني بخطاب وطني محايد ومنهج قومي جامع لتكوين أمة سودانية تضع حداً للجدل بين الافريقانية والعروبة الإسلامية، ثم أزمة الشرعية عبر تطبيق الديموقراطية السليمة التي تنطوي على الحرية والمساواة وإنهاء عملية احتكار الموارد والفرص، لكون غياب تلك العناصر يؤدي الى ظهور السخط والاستنكار فالعصيان والتمرد والثورات. أما عن أزمة المجتمع فيشدد على ضرورة تغيير سلوكيات النخب السياسية وتطوير الخطاب لإعادة الاحساس بالترابط بين أبناء البلد الواحد بهدف ترميم الواقع المشوه والراسخ في ذهنية العقل الجمعي للعرقيات المختلفة. ويؤكد أخيراً على الحاجة للرؤية البعيدة والتخطيط السليم للإدارة الحصيفة من خلال النظر للحل عبر عناصره الأساسية وهي الصراع على الموارد، الصراع بين أبناء اقليم من جهة وبين الحكومة والمركز.

[ الكتاب: دارفور من أزمة دولة الى صراع القوى العظمة.
[ الكاتب: د. عبده مختار موسى.
[ الناشر: مركز الجزيرة للدراسات ـ الدار العربية للعلوم ناشرون 2009.


مفهوم السلطة والمتصوفة وما يجمعهما

مراجعة: عماد الشدياق
هو أحد دوائر الفلسفة الإسلامية وتحقيق للعقيدة التي تجمع بين العقل والروح، هو التصوف الذي أربك الباحثين في دراساتهم وكبّلهم في أغلال التكرار والصياغة لآراء ومواقف الأسلاف الذين كرّسوا بعض المسلمات عن التصوف كالحد بين الدين والسياسة.
ينطلق الدكتور عبدالوهاب في دراسته للتصوف من إشكالية رئيسية يعالجها في سبعة فصول تتجلى في محاولته الوقوف على مفهوم السلطة عند المتصوفة وتحليل العلاقة فيما بينهما، فيفرّق بين السلطة بوصفها عملية اجتماعية حركية، فيما الثانية بزعم بعضهم تعدّ تجربة انكفائية تنأى عن الحياة وشواغلها وعن السياسة وتوابعها، هذا على المستوى الفردي. لكن بالمجمل يرى الكاتب حركة التصوف رد فعل على الأوضاع السياسية والاجتماعية المتردية التي دفعت بحركة التصوف مع الوقت الى منحاها المعارض ضد السلطات الزمنية القائمة رغم جزم البعض بعدم تعاطي المتصوفة بالسياسة مطلقاً ونعتهم بالإنهزاميين: "فالمرء يتصوف حين ينهزم لأنه حين يفقد سنده في عالم المادة (السياسة) يذهب فيتلمس الغوث في عالم الروح"، مع أن الحقائق التاريخية تثبت أن نشأة التصوف وزهد كانت سياسية من ناحية ما حيث أفرزا معطيات أخلاقية ومعرفية لا يمكن إنكار انعكاساتها في حقل السياسة!
لقد اتخذ المتصوفة مقاطعة السلطة السياسية خياراً استراتيجياً في تعاملهم معها إزاء مضي الأمة في سبيل التضحية بالشريعة من أجل كسب السلطة، ما جعل التصوف والزهد في نظر أهل السلطة عنصر إقلاق لها وجب محاربته بأي ثمن. لكن السؤال الجوهري عن كل ما تقدم يوجَز بالآتي: لماذا تخشاه السلطة من التصوف؟ بل ما الذي تخشاه السلطة من التصوف؟
يجيب الدكتور عبدالوهاب عن هذه الأسئلة مستعيناً باقتباس من كتاب الأدب الجاهلي لطه حسين، حيث يقول: "يدل القرآن على أن الثورة التي جاء بها الإسلام لم تكن ثورة دين ليس إلاّ وإنما كانت ثورة دين وسياسة واقتصاد" ويعرض عبدالوهاب للعلاقة الوظيفية والمنفعة التي كانت قائمة بين تجار قريش وعبادة الأوثان بالإشارة لما كانت تمثله من مناسبة لتنشيط تجاراتهم وترويج بضائعهم، ناهيك عن دور تلك العبادات غير المباشر في تثبيت سطوتهم وحفظ مكانتهم إذ سرعان ما أدرك التجار الخطر الإسلامي الذي يهددهم ويعارض مصالحهم.
وعليه، يعتبر أن ثورة التصوف تعدّ من صلب ثورة الإسلام ومثلما حاربت القريشية الإسلام في البداية، خوفاً من بعده الاجتماعي (وهو البعد الأهم)، حاربت السلطة الأموية ومن بعدها العباسية الحركات الصوفية خشية من البعد السالف الذكر، خاصة وأن الحرية كانت ولا تزال غاية الغايات عند المتصوفة على الإطلاق والمنحى الذي كان يناوئ مشروع السلطة بمشروع سلطوي آخر.
لقد كانت السلطة تحارب المتصوفة في أغلب الحالات وتضطهدهم بإيعاز ودفع من الفقهاء لعديد من الأسباب التي كانت تخلف بين الطرفين، الفقه والتصوف في مقابل الغاية والوسيلة، ومن الطبيعي أن يمسي عدو عدوي صديقي في المعادلة الثلاثية ما بين الأطراف الثلاثة (السلطة، الفقهاء والمتصوفة) وعليه اشتد عود التحالف بين السلطة السياسية والسلطة الدينية بحثاً للأولى عن اكتساب صفات لها طابع القداسة والسمو والتعالي فتنال منها التبرير والتأييد والبركة في مقابل أن تحصل الأخيرة على الدعم والتكريس الرسمي ما خلق في بعض الحالات اختلالاً في معادلة التوازن بين المرجعيتين وأنتج خطورة بالغة من تحويل الدين الى ألعوبة بحسب الرغبات والنزوات الشخصية للحاكم أو الفقيه، الأمر الذي أنتج ما يسميه الكاتب "الإتجاه التوفيقي" من أجل تكييف مبادئ الشريعة الإسلامية مع ما يتعلق بشؤون الحكم حتى تنسجم مع الواقع السياسي المعاش وظروف الواقع. وقد أدى هذا الأمر الى تفريغ الخلافة من محتواها الديني بحجة جملة من العناوين كوحدة الدولة والمصلحة العامة والخوف من الفتن...
لكن التصوف لم يسلك سلوكاً تابعاً لسلطة الدين الرسمية، بل كان محاولة تجديد ومناهضة للتبعية الدينية والسياسية في وقت واحد، وفي أبعد تقدير كبديل وظيفي للديانة التقليدية في مقابل التزمّت الفقهي والالتزام الحرفي بظاهر النصوص، لقد ظهر التصوف في ظل تلك الأجواء كاتجاه مخالف لما هو سائد في بيئة الفقهاء، ينكر من خلاله كل الحقول المتبعة للاتصال بالله من خلال "وسيط" لأن المتصوف بنظره يتذاهن مع الله مباشرة ولا يريد الوصول إليه عبر الواسطة.
لقد شعر المتصوفة بغربة الإسلام باكراً على عكس معظم الفقهاء ممن مضوا في ركاب السلطة ولولا ذلك لكانت الحضارة الإسلامية قد تجاوزت إنجازاتها الحضارية الحالية بعشرات المرات، خصوصاً لو كانت تحتكم منذ بداياتها الى تجربة صوفية تفضي الى العديد من الحلول للأزمات السياسية (يرى عبدالوهاب أن في التصوف ما يقرّب ما بين الإسلام والليبرالية) وإلى رسم صورة جديدة للإسلام.

[ الكتاب: ولاة وأولياء والمتصوفة في إسلام العصر الوسيط
[ الكاتب: الدكتور محمد حلمي عبدالوهاب
[ الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر 2009

الاحتواء والتأجيل.. خلاصة ما انبثق من قمة العشرين

عماد الشدياق
أنهت قمة العشرين اجتماعاتها في مدينة بيتسبورغ في الولايات المتحدة الأميركية وسط تعهدات بطي صفحة "اللامسؤولية" التي سادت مطلع السنة الحالية والتي أدت الى تفاقم الأزمة المالية في القطاع المصرفي الأميركي مع ما استتبعها من انهيارات وتعثرات على طريقة الدومينو في اقتصادات ومصارف العالم، حيث تسببت بخسارات الدول النامية زهاء 750 مليار دولار أميركي.
الا ان هذه القمة، وعلى الرغم من كل ما بثته من تفاؤل خلال انعقادها وحتى اعلان بيانها الختامي لم تقدم على اجتراح الحلول الشافية والقرارات التنفيذية الآنية اللازمة، بل آثرت على دفعها الى القمم اللاحقة والمرتقبة السنة المقبلة في كندا وكوريا الجنوبية، فكان لا بد من تسجيل بعض الملاحظات المتعلقة بالمجالات الاقتصادية والسياسة والاجتماعية، خاصة من تلك المستحدثة والطارئة على عالم العلاقات الدولية:
نشأت مجموعة العشرين في اواخر التسعينات على خلفية الظروف الأزمة المالية التي ضربت العالم انطلاقاً من آسيا في تلك المرحلة، وقامت بهدف تعزيز التضافر الدولي وترسيخ مبدأ الحوار مع زيارة الثقل الاقتصادي لبعض الدول النامية (او الدول الناهضة) كالصين والهند والبرازيل...
يهم الأخذ بالاعتبار ان جميع أطراف المجموعة لا يتساوى بالثقل الاقتصادي والصناعي نفسه (دول صناعية كبرى كالولايات المتحدة الأميركية واليابان والمانيا وفرنسا.. بمقابل دول ناهضة كالبرازيل، الهند، المكسيك، الأرجنتين، اندونيسيا والسعودية..) فهي اشبه بتوليفة أو تسوية دولية تحاول الحفاظ على "ما تيسر من ماء الوجه" ضماناً لنجاحات الدول الصناعية (مجموعة الثمان) الى طاقات الدول الناهضة، نظراً لما يمثله حجم تبادلها التجاري والحركات المالية والمصرفية والاستثمارات والاحتياطات النقدية التي تكتنزها، مما جعلها عنصراًُ مؤثراً وجب احتواؤه لمصلحة الأطراف كلها خوفاً من اقدامها على تحويل المنافسة الى صراع مستقبلاً.
الخلفيات الفكرية والأيديولوجية لهذه الدول، اذا صح القول، تختلف بين واحدة وأخرى، منها النيو- ليبرالي (الولايات المتحدة واليابان)، وبعضها يؤمن بنظرية "اقتصاد السوق الاجتماعي" (*) خاصة الأوروبيين (فرنسا، المانيا وايطاليا) بل بعضها الآخر خرج حديثاً من التجربة الشيوعية (روسيا) او ما زال شبحها يلاحقه (الصين) فيما قلة منها تؤمن بالنهج الاسلامي (المملكة العربية السعودية).
الاعلان الأميركي باستبدال مجموعة الثمان بمجموعة العشرين الحالية وتحويلها الى المنتدى الرئيسي للتعاون الاقتصادي الدولي ولو جاء متأخراً وعلى خلفية الازمةالمالية السابقة، يشكل افصاحاً طوعياً بأن الدول الصناعية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الاميركية كانت سابقاً تتفرد بتقرير مصير شعوب العالم قاطبة وفقاً لرؤيتها ومصالحها ليس إلا، وبات اليوم يشكل خطوة ايجابية الى الامام، ترمز الى النية المبدئة للدول الصناعية الكبرى في فتح ابواب النادي المحظور امام الضيوف الجدد.
اعلان نية مجموعة العشرين اصلاح صندوق النقد الدولي من خلال زيادة حصص ومشاركات الدول الناهضة، يعني عملياً التوجه نحو دمقرطة آلية اتخاذ القرار في الصندوق، لكن الأمر متوقف على معرفة من سيتنازل عن جزء من حصصه لصالح تلك الدولة، هل هم دول مجموعة الثمان ام من حساب الدولية النامية؟ علماً ان بعض مسؤولي الصندوق يقولون ان الاتفاق على زيادة الحصص يحتاج لوقت طويل وهو ما يتطلب موافقة تشريعية في بعض الدول، علماً أن ثمة بحث يروج له من وراء الكواليس يهدف الى جمع الموارد الجديدة عن طريق اصدار الصندوق سندات للبنوك المركزية للدول الاعضاء حيث يعتبرها بعضهم من اسهل السبل لزيادة موارده، بحيث تقرضه الدول الاعضاء الاموال عن طريق قروض مباشرة، الأمر الذي ترفضه الدول الناهضة وتطالب بالطريقة التقليدية للزيادة، لكون الأولى ستحرمها من حق التصويت.
قرار قمة العشرين بتشديد الالتزام بأنظمة الاقراض في المصارف والزامها برفع نسب احتياطاتها المالية حرصاً منها على سلامة المصارف ومنع احتمالات تعرضها لهزات مالية، لكن هذا الامر في التحليل، لا يعني سوى تشديد الخناق أكثر على الدائنين وإشهار المزيد من الشروط بوجوههم، بحجة البحث عن وقاية المصارف من القروض الهالكة او الفاسدة التي تحملت الحكومات اعباءها آبان الأزمة المالية الأخيرة.
ربط الأزمة المالية العالمية بما سمي "التصرفات الخاطئة" من جانب مسؤولي المصارف والمؤسسات المالية والمضاربين وبالتالي ربط مكافآتهم بمدى دعمهم لاستقرار المؤسسات المالية التي يعملون بها وليس بنسبة الأرباح او بسرعة تحقيقها.
الأمر الذي منح صك براءة للمنظومة المالية العالمية السائدة، وبرّأ ذمتها من أي خطأ أو شائبة تشوب قواعد اللعبة المعتمدة والمنحرفة أصلاً، ما يشكل التفافاً على الحل ومحاولة للتهرب من حقائقه.
يمكن تلخيص ما نتج عن قمة مجموعة العشرين ان الاحتواء والتأجيل الى القمم اللاحقة، هما أهم ما تم الاتفاق عليه مبدئياً، افساحاًَ بالمجال امام بلورة المشهد الدولي الجديد القائم على التبدل في المعادلات القائمة بين القوى الرئيسية في العالم.


الأمن الغذائي العالمي.. تحديات كبيرة وحلول صعبة

عماد الشدياق
افتتح في 13 تشرين الأول (اكتوبر) الماضي في العاصمة الايطالية روما، منتدى رفيع المستوى للخبراء الدوليين، برعاية وتنظيم منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) وبمشاركة بعض المنظمات غير الحكومية والهيئات الأكاديمية من البلدان النامية والصناعية، للبحث في كيفية إطعام العالم عام 2050، في ظل أعداد الجياع المخيفة التي تعلن عنها المنظمة تباعاً.
وتلا هذا المنتدى اجتماع للجنة الأمن الغذائي العالمي التي بحثت خلاله الاصلاحات التي ستمكنها من تأدية دور فعّال أكثر على صعيد الحوكمة العالمية للأمن الغذائي.
ويأتي الاستحقاقان في خضم الجهود التي تبذلها "الفاو" بالتعاون مع جهات دولية وإقليمية أخرى، تفضي الى انعقاد قمة عالمية على مستوى رؤساء الدول والحكومات حول الأمن الغذائي بين 16 18 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الحالي، وذلك للمرة الثالثة منذ تأسيس منظمة "الفاو" في العام 1945 وسيصادف المؤتمر "يوم الأغذية العالمي".
وطبقاً لأحدث تقديرات الأمم المتحدة، يتوقع العلماء ارتفاع عدد سكان العالم من 6,8 مليارات نسمة الى 9,1 مليارات عام 2050، ما يعني أنه يتوجب إطعام ثلث إضافي من البشرية في ذاك الوقت مقارنة بما هو الوضع حالياً، الأمر الذي يطرح نفسه كتحدٍ بالغ الأهمية والخطورة على كافة الأطراف الدولية، ويتطلب التصدي والاستعداد له من الآن حتى التاريخ المذكور.
أضف الى ذلك أن واقع الأمن الغذائي العالمي، يشوبه أصلاً الكثير من العلل والتعثرات مما يزيد الأمور تعقيداً.
ومن جملة التحديات الأساسية التي تعترض الأمن الغذائي العالمي: ضرورة اجتثاث الجوع على وجه الأرض، الذي لا يقتصر على ضمان انتاج غذائي يكفي البشرية قاطبة، عبر اكتشاف الوسائل الكفيلة بحصول البشر على ما يحتاجونه من غذاء لحياة موفورة النشاط والصحة.
ومن أهم الأخطار التي تدق ناقوسها منظمة "الفاو" في هذا المجال، التغير المناخي (التصحر، ندرة المياه، ضيق المناطق الزراعية، الاحتباس الحراري) الذي يعتقد أنه يفاقم الأوضاع، أكثر فأكثر، في الدول النامية. وسيشكل أكبر خطر على الأمن الغذائي العالمي، إذ ذكر تقرير أعدته "الفاو" أن التنمية الزراعية والأمن الغذائي سيكون لهما في المستقبل صلات وثيقة مع التغير المناخي وتأثيراته، وقد يلحق الاحتباس الحراري خسائر كبيرة بالمناطق الأقل نمواً كتلك التي تفتقر الى الأغذية.
ويتخوف المراقبون مستقبلاً من ظاهرة إنتاج الوقود الحيوي المتنامية في العالم الغربي، حيث أنها تثير مخاوفهم بشأن آثارها السلبية على الأمن الغذائي، لا سيما مع ارتفاع أسعار بعض المحاصيل الزراعية الى أكثر من 40% في السنوات الأخيرة التي مضت، بسبب الطلب المتنامي عليها (كالذرة، الشمندر، وقصب السكر، لانتاج الجيل الأول المعروف بـ"البيوايثانول") بالإضافة الى السمسم، الصويا وباقي الحبوب الزيتية لانتاج الجيل الثاني من مواد "البيوديزل") بغية استخدام الوقود الحيوي في وسائل النقل كبديل مستقبلي للوقود الأحفوري المستعمل حالياً.
الأمر الذي أثار جدلاً علمياً واسعاً بين مؤيد ومرتاب من حقيقته وجدواه الاقتصادية وأبعاده الجيوسياسية، وبات مادة رئيسية في المؤتمرات العلمية ووسائل الإعلام.
أما الحلول التي يعول عليها لتلافي تلك المشاكل، فينظر المراقبون نظرة أمل الى التنوع البيولوجي وما ستتبعه من معاهدات واتفاقيات متعددة الأطراف في هذا المجال.
وتأخذ "معاهدة الموارد الوراثية" التي وافق عليها مؤتمر منظمة "الفاو" في تشرين الثاني 2001، حيزاً مهماً في هذا المجال، إذ ينتظر أن يتم تفعيلها للأغراض المذكورة (عقدت الدورة الأولى للجهاز الرئاسي للمعاهدة في 2006، في مدريد بإسبانيا). وتتمثل أهداف المعاهدة، بـ"صيانة الموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة واستخدامها المستدام وتقاسم المنافع الناشئة عن استخدامها بصورة عادلة ومتساوية اتساقاً مع اتفاقية التنوع البيولوجي للزراعة والأمن الغذائي المستدامين".
وتشمل المعاهدة استراتيجية تمويلاً لتعبئة الأموال اللازمة والخطط والبرامج ذات الأولوية، خصوصاً في البلدان النامية والبلدان التي تمر اقتصادياتها بمرحلة تحول مع مراعاة خطة "عمل ليبزريج" العالمية التي وضعت في العام 2004 حيث تشدد على: حماية المعارف التقليدية ذات الصلة، المشاركة المتساوية في تقسيم المنافع المستمدة من استخدام الموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة، والمشاركة في صنع القرار على المستويات الإقليمية وصيانتها واستخدامها المستدام.
وفي سياق متصل أيضاً، يولي الخبراء اهتماماتهم للتوسع المطرد في زراعة النباتات المعدلة وراثياً (OMG) لزيادة إنتاجيتها، ولقدرتها على مقاومة الآفات الزراعية وما شابه، وبالتالي لتتمكن من تلبية الجانب المطلوب من الاحتياجات الغذائية المستقبلية المطردة، بالتزامن مع الانفجار السكاني المرتقب والتراجع المتنامي لرقع الأراضي الزراعية (لأهداف صناعية وسكنية)، على الرغم من كل التحذيرات التي تصدر عن دور الدراسات والأبحاث، بشأن المخاطر الصحية التي يظن أن يتسبب بها هذا النوع من المزروعات، إلا أن أحدث الدراسات البريطانية تكشف أنها تبقى افضل وأوفر من التوسع في الزراعة التقليدية التي تستوجب استعمال الأسمدة والمخصبات (المصدر الرئيسي لغاز الأوكسيد النيتري) الضارة جداً بالبيئة.
إلا أن الكثير من "الطبيعيين" (نسبة للطبيعة) والواقعيين، النابذين للتوقعات الحسابية المفرطة، يقللون من خطورة الاعتبارات الآنفة الذكر، ويستذكرون دراسات إحصائيي القرن الماضي عن زيادة أعداد البشر ضمن التوالي الهندسي نسبة الى الزيادة حجم الأغذية ضمن التوالي الرياضي، حتى بتنا في الألفية الثالثة ولم تصح تلك التوقعات حتى حينه. فيعزون الى أن الحلول وليدة لحظتها ليس إلا... ولا داعي للقلق.


متغيّرات دولية تفرض أفقاً تقاربياً جديداً

مراجعة: عماد الشدياق
على الرغم من التطورات الايجابية التي أصابت العلاقة بين سوريا وتركيا في العقد الأخير من القرن الماضي وحتى اليوم، الا ان البلدين لم يتحررا بعد من الصور والمدارك النمطية السابقة التي كانت سائدة بينهما، بحيث ان التقارب الحالي لم يوصلهما، على ما تستنتج الدراسة، الى مرحلة "جدول الأعمال المشترك" القابل للاستمرار. ولهذا يعتبر الدكتور محفوظ ان استشراف العلاقة بين الدولتين أشبه بالعمل المحفوف بالمخاطر وبمثابة تأمل استباقي للمستقبل، لأسباب تتعلق بآليات صنع القرار السياسي الخارجي لدى الطرفين، التي تتم وفق أسس غير واضحة ومستعصية التحديد.
يتناول الكاتب ملف العلاقات السورية التركية من خلال الكشف عن عوامل التجاذب والتنافر بين الطرفين وفي ضوء التفاعلات البينية للدولتين. فيشير الى مقتضيات البحث الذي يتداخل أكاديمياً وسياسياً، مضيئاً في هذا المجال على خلفيتهما التاريخية وعلى سياستهما الخارجية، بالاضافة الى البيئات الاقليمية والدولية وكذلك بيئتهما البينية، ويختم دراسته باستشراف احتمالات المستقبل.
ويصب تركيزه على الاهتمامات التركية السورية في الشؤون الاقليمية والدولية من دائرتي نشاط رئيسيتين هما: المنطقة العربية وما يربطها بالصراع العربي الاسرائيلي، والعلاقة بأوروبا والولايات المتحدة الأميركية (أو الغرب بعامة)، منتهجاً لذلك منهجاً متعدداً (مركباً) يهدف الى تغطية كافة مفردات الدراسة بمجالاتها الزمنية والتفاعلية الواسعة، مستعيناً بمداخل منهجية فرعية وسيطة كالجغرافيا السياسية والقومية والقوة، والاعتماد المتبادل والدراسات الاستشراقية المستقبلية...
تاريخياً، تأسس التوتر في العلاقات بين الأتراك والسوريين على مسار طويل ومتراكم من السياسات العدائية التي بُنيت بدورها على عدد كبير من عوامل التنافر، كالذاكرة التاريخية والنزاع على الجغرافيا والمياه بالاضافة الى ملف الأكراد... لكن العلاقة بين البلدين لم تصل الى حدود الأعمال العسكرية التي تستأهل الذكر.
وكانت المرحلة السلجوقية بداية لتعرّف السوريين على الأتراك بفعل الاحتلال الذي استمر تحت تسميات مختلفة، سلجوقي، مملوكي، وعثماني... وصولاً الى مرحلة الحرب العالمية الأولى، فالسياسات الكولونيالية الفرنسية التي فرضت ترسيم حدود المنطقة ككل.
بين الأعوام 1920 و1939 بدأت مراحل السلخ التدريجي للأراضي السورية التي ضمت الحزام الشمالي. وخلال مرحلة الحرب الباردة التي جعلت من الحدود بين البلدين "خط التماس" للمعسكرين المتقابلين، تأثرت العلاقة التركية السورية عقب سلخ لواء اسكندرونة من الأخيرة، شاركت تركيا القوى الدولية في صراعها على الشرق الأوسط، اذ اعترفت بإسرائيل (1949) وانضمت الى حلف الشمال الأطلسي (1952) ودعت الى حلف بغداد وحشد قواتها على الحدود السورية (1955). إلا ان العام 1998 شكل نقطة تحول للعلاقة بين سوريا وتركيا، بالاشارة الى اتفاق "أضنة"، الذي أدخل البلدين ضمناً في حوار استراتيجي مهّد الى جميع الاتفاقات الحالية بينهما (اقتصادية، اعلامية، ثقافية، تعليمية، وسياحية).
أما في خضم البحث عن آليات "صنع القرار" الخارجي في الدولتين، يلاحظ الكاتب ان سوريا تتبع سياسة خارجية نشطة، لها أولوية على السياسة الداخلية، من باب أهمية التفاعلات الخارجية وقدرتها على حفظ الاستقرار الداخلي وتحقيق الأهداف الاستراتيجية العامة. وعليه يعتبر ان صانع القرار السوري يقف دائماً عند "مفترق طرق" ويراهن على عنصر الوقت والصمود، بالاضافة على تعويله الدائم على الذاكرة التاريخية.
بالمقابل تتسم السياسة التركية بالصورة والأحكام النمطية، وهي رهينة مجموعة من المحددات مثل العلاقات المدنية العسكرية، الدور العسكري في السياسة، بالاضافة الى التحولات (الملحوظ بعد وصول حزب العدالة والتنمية الى السلطة) في الثقافة السياسية للتكوينات الاجتماعية وللطبقة السياسية التركية، الميّالة نحو الشرق الأوسط، بعد ان كانت كارهةً له وطامعةً في آسيا الوسطى وتجتمع مع الغرب تحت لواء حلف استراتيجي (وما زالت لكن بتبعية أقل).
فيشير بهذا الصدد الى التغيرات (نهاية الحرب الباردة) التي أكسبت تركيا فرصة لإعادة تشكيل نفوذها السياسي الجديد في آسيا الوسطى وجنوب القوقاز من خلال الجنوح نحو "فك الارتباط" جزئياً مع الغرب (بداية لما اتفق على تسميته صحافياً العثمانية الجديدة).
في حين ان السوريين افترضوا ان تفكيك "تابو" الحدود السياسية قد يسهم في خلق جو اندماجي عابر للقطر المحلي، الأمر الذي أفسح بالمجال لتقارب الرؤى بين الطرفين على اعتبارهما من الدول النامية التي تسعى الى تحقيق مكانة سياسية تستجيب لتحديات العولمة الاقتصادية.
ويستخلص في ختام دراسته ان العلاقة بين البلدين تتميز بطابع بريغوجيني (نسبة للعالم البلجيكي Prigogine) لكونها تتم في جو من عدم التواصل والتعارف المباشر بالقدر المطلوب، وفي ظل بيئة اقليمية مخترقة وهشة، مشدداً لإثبات ذلك على "صعوبة الرؤية" للشؤون المتبادلة والقضايا المشتركة بين البلدين على الرغم من التفاصيل والتعليقات اليومية والكتب العامة المنجزة سريعاً، من تلك التي تجعل القارئ يظن انه يفهم ما يدور بين الجارين بمجرد الاطلاع عليها.

[ الكتاب: سوريا وتركيا، الواقع الراهن واحتمالات المستقبل
[ الكاتب: د. عقيل سعيد محفوظ
[ الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية 2009


الحركات الإسلامية في المغرب محاولة للتعبير عن التحول السوسيولوجي

مراجعة: عماد الشدياق
في خضم تعثر وتراجع المشروعات الإصلاحية الإسلامية في العالم، وجدت الحركات السلفية سبباً يمدها بقوة لم تكن متاحة لها من قبل، متمثلة بالمستويين: العقائدي لإعادة تقنين الدين والترشيد الميتافيزيقي والأخلاقي للعقائد المعاشة، والتعبدي لضبط الشعائر الدينية وتوحيد نماذجها وكلماتها للحفاظ على الدين من البدع المستجدة من ناحية، ولسد الفراغ و"استرجاع الدور المعياري" للدين الإسلامي الحنيف من ناحية أخرى.
ويتبنى الكاتب فرضية رئيسية لبحثه هذا، مفادها أن بروز السلفية كمعتقد وظهور الحركات المتبنية لها ليست مؤشراً الى أي انشطار عقائدي أو مذهبي، بل هي تعبير عن تحول سوسيولوجي في أنماط التعبّد مرده الى ضعف نماذج التديّن الكلاسيكية وتوقفها عند الكلام والتحجّر فقط، أمر الذي جعلها تفقد تأثيرها المباشر على المؤمنين.
وبالمبدأ، يتحوّل المعتقد الديني الى إيديولوجيا حينما يدخل حلبة التاريخ، فتقوم بدورها هذه الأخيرة الى وضع مجموع الصور والأفكار المصاغة في مفاهيم ومعايير تنطلق منها لبلورة رؤياها للعالم.
وتتكلّف الإيديولوجيا بإعادة صياغة وإنتاج أنماط المعرفة وأساليب الممارسة بما فيها أنواع النشاطات بطريقة تدعم عملية التعبئة. هذه العقائد الدينية المؤدلجة تُحكم بقانون داخلي شمولي يسمى "الباراديغم".
وينطلق الكاتب بمهمة تتمحور حول 3 عناوين رئيسية تهدف الى تفكيك وتركيب المعتقدات الدينية المؤدلجة، ثم تحليل الجهاز الإيديولوجي للخطاب السلفي، وأخيراً إكتشاف نوع "الباراديغم" أو النظام الداخلي للعقيدة السلفية.
وتنتمي السلفية الى نموذج النص الظاهري، وهي نمط من الفكر الذي يقتصر على استخدام المصطلحات الإسلامية الأصلية متخذة من قيم الإسلام ومبادئه المعيار الوحيد في النظر الى صحة الأمور والحكم عليها، كما تتخذ من النص النقلي مرجعها النهائي للإثبات والتدليل من دون أن تستوحي عناصر فكرية مستقلة من خارج الأصولية الإسلامية (المشتقة من أصول العقيدة والفقه وليس بمدلولها السياسي الشائع fundamentalism) لتتمكن من تبريرها فكرياً والدفاع عنها.
فالتيار السلفي يختزل الخطاب العقائدي بمقولات تتسع لمعنى واحد هو "فهم الصحابة"، ولذلك تنحصر أغلب المؤلفات السلفية في نقل ما مضى من كلام السلف من دون البحث أو المراجعة، ولهذا السبب يمسي المبتكرون أو المحدثون عرضة للنكاية والاضطهاد والعنف اللفظي.
ويبقى الوجه الوحيد لمنتجي الخطاب السلفي منحصراً في ممارسة النقد الخارجي للنصوص عن طريق التفتيش عن النص واستخراجه وتصنيفه وبيان أحواله في العزو والإسناد، من حال الراوي ومرويه ومرتبته وحكمه... من دون أن يتجاوز ذلك الى العناية بنقد المتن!
ويشير الباحث الى أن للطقوس الدينية دور "محافظ" لا يمكن للعقيدة أن تستمر من دونه في الانتشار والتعبئة، فيما تتم عملية تلقيف العقيدة أو الإيديولوجيا عبر ثلاث مراحل وهي: مرحلة الإنتاج والترسيخ، ثم مرحلة إعادة الإنتاج، مع الإشارة الى أن للحركات السلفية مقاومة كبرى للتغيير، إذ لا يمكن التمييز بين الخطابات السلفية من حيث مرونتها وتشددها إلا من خلال تفاصيل صغيرة جداً. وعليه يميّز الباحث بين تيارين مهمين يتجاذبان الدعوة السلفية المعاصرة على الرغم من الحركات الانشطارية التي أصابتها وأفضت الى توزعها للعديد من الاتجاهات.
1. التيار المحافظ أو التقليدي (وهو النموذج المهيمن): الذي يدعو الى معرفة الله بذاته وأسمائه وصفاته من خلال ما وصف به نفسه وما وصفه به رسله من غير تحريف، إذ يتم اللجوء الى التشدد وبث التصورات الحادة عند مرحلة الاستقطاب للأفراد. وعندما يصبح الفرد تابعاً وموالياً للتنظيم تعاد صياغة الخطاب مع التعديلات في اتجاه يخدم موقف الطائفة وموقعها (مثال جمعية الدعوة الى القرآن والسنة في المغرب).
2. التيار المعتدل: وهي السلفية العلمية التي تعتمد على إحياء التراث وتحقيقه، وتكوين نخبة علمية سلفية. ويرى هذا المنهج أن جوانب الدعوة السلفية من تربية وفتاوى... قد تتغير في الأسلوب والوسائل وحتى في المضمون عبر تقديم أو تأخير بعضها على بعض، غبّ الحاجة والموقف.
ومن أعظم الصعوبات التي تواجه التيارات السلفية، عملها من خارج الأطر الرسمية للنظم السياسية، ولهذا السبب تبقى في أغلب الأحوال عبارة عن مجموعات غير محددة الملامح وغير متجانسة.

[ الكتاب: الحركات السلفية في المغرب 1971 ـ 2004
[ الكاتب: د. عبدالحكيم أبو اللوز
[ الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2009


ميليشيا "هوتاري": "الجهاد" المسيحي

عماد الشدياق
خطفت الأضواء في الولايات المتحدة الأميركية مؤخراً قصة ميليشيا "هوتاري" التي تدعو الى ما يمكن تسميته بـ"الجهاد". لكن المسيحي هذه المرة ضد الحكومة الأميركية والأمم المتحدة تحت شعار حرب حتمية حتى قيام "الجمهورية المسيحية الاستعمارية".
بدأت قصة ميليشيا "هوتاري" في آب (أغسطس) 2008 في ولاية ميتشيغن الأميركية، عندما ظهرت مجموعة "مسيحية" مسلحة قوامها تسعة أفراد، تخطط لمقاومة حكومة البلاد التي تصفها بحكومة "المسيح الدجال"، بالاشارة الى الرئيس باراك أوباما.
و"هوتاري" التي يتزعمها شخص يدعى ديفيد بريان ستون، تطلق على نفسها هذا الاسم المستحدث ويعني "المقاتل المسيحي"، وقد وضعت لنفسها خطة في البداية تقوم على محاولة قتل رجال الشرطة الأميركيين واستهداف أكبر عدد ممكن منهم خلال تشييع جنائز زملائهم في هجماتها السابقة. ولضمان نجاح خططها لجأت إلى خدعة تقوم على الاتصال برقم شرطة الطوارئ الأميركية 911 بحجة وجود مشكلة ما وعندما يصل رجال الشرطة تتم تصفيتهم ومن ثم يعمدون لقتل العشرات منهم خلال تشييع جنائز زملائهم. وبحسب معتقداتها، تستعد المجموعة لمعركة "مروعة" بحسب وصفها، مع أعداء المسيح الذين تساندهم الشرطة المحلية والفدرالية الأميركية.
وتتخذ المجموعة شعاراً لها كناية عن صليب منقوش بثلاثة أحرف تختصر عبارة "الجمهورية المسيحية الاستعمارية" التي يسعون لقيامها. كما تعرض أفلاماً وثائقية على موقعها الالكتروني وتصوّر تدريبات عسكرية لرجال مدجّجين بالسلاح يرفعون راية خاصة بعد التظاهر بقتل جنود يرتدون خوذات الأمم المتحدة الزرقاء، كتعبير لرفضهم أي نظام عالمي غير نظامهم.
وتستخدم "هوتاري" مجموعة من الرتب العسكرية الغريبة في تسمياتها هي عبارة عن نظام فريد من المصطلحات والعناوين التي تتدرج من الأعلى إلى الأدنى (راندوك، بوراماندور، زوليف، أركون...) يصفها استاذ اللغويات في جامعة بنسلفانيا مارك ليبرمان بأن لا أساس لها في الكتاب المقدس ولا في التاريخ العسكري، بل هي نوع من الصوتيات المجردة مثل أسماء شخصيات الرسوم المتحركة اليابانية الـ"بوكيمون".
وتتهم الـ"هوتاري" حكومة الولايات المتحدة بالتآمر مع الامم المتحدة لاطاحة الدستور الاميركي والاعلان العالمي لحقوق الانسان، كما تعتبر كل من الاتحاد الأوروبي ومسؤول شؤونه الخارجية خافيير سولانا والأمين العام السابق لحلف شمالي الأطلسي "الناتو"، أعداء للمسيح.
وتستند في كل ما ذكر الى نصوص من الانجيل للدفع باتجاه التمرد والعنف المسلح المطلوبين لبلوغ جمهوريتهم المزعومة.
وترصد المراكز المتخصصة ارتفاع عدد الميليشيات في الولايات المتحدة من 42 تنظيم العام 2008 الى 127 العام 2009 أغلبهم متحدرين من اليمين المسيحي المتطرف، الذي يكن العداء للحكومة الأميركية خصوصاً بعدما تولى السلطة في البيت الأبيض رئيس من أصول أفريقية، وفي ظل ظروف اقتصادية متردية، الأمر الذي أفسح بالمجال لتغذية أفكارهم وظهورهم الى العلن.