الخميس، 16 فبراير 2012


عن تعقيدات الصراع في إقليم دارفور

مراجعة: عماد الشدياق
كانت الأزمة في دارفور نتيجة حتمية تنتظر انفجارها في اللحظة التاريخية المؤاتية بالتناغم مع المعطيات المحلية، الإقليمية والمتغيرات الدولية، كما يؤكد الكاتب في مستهل كتابه.
لقد كان السودان منذ استقلاله في حالة صراع داخلي بين من يملكون الثروة والسلطة وبين والذين لا يملكونها، دولة مضطربة فشلت نخبها السياسية الحاكمة في تحقيق التوازن السياسي والعدالة الاقتصادية والاندماج الاجتماعي المطلوب لتحقيق الاستيعاب الثقافي للعبور الى الدولة، ويضيف الى جملة الأسباب التي أدت الى ظهور الصراع في دارفور وحيث يصفه بالنزاع المعقد أو (Complex conflict) موقع السودان المميز أصلاً، فضلاً عن موارده الكبيرة والمتنوعة التي شرعت الأبواب أمام الأطماع الدولية.
فبات السودان يعاني من أزمة التكامل القومي، وما زال حتى اليوم بحالة "أمة في طور التكوين"، فيرد السبب الأساسي لهذه الحالة الى الحدود المصطنعة التي وضعها المؤتمرون في برلين (1884 ـ 1885) بحيث أنها لم تعبر حقيقة عن الواقع الأثني والديموغرافي للمنطقة من خلال ربطها بين جماعات لا تمت الى بعضها بصلة (لا في العرق ولا في الدين ولا حتى في اللغة) بالتزامن مع فشل الرؤى السياسية في معالجة تلك الفجوة من خلال العمل على صهر مكونات السودان الأثنية في بوتقة واحدة لإحداث التكامل القومي المنشود، على الرغم من أن هذا التنوع يشكل أحد أهم مصادر إثراء الأمم، لكن محاولات التسييس والشحن حولته الى قنابل موقوتة داخل المجتمع السوداني.
ويعلل الكاتب الزيادة في منسوب التخلف في السودان من خلال الإشارة الى أسباب رئيسية لعبت دوراً محورياً في ظهور الحركات المسلحة في اقليم دارفور ودفعت الأمور الى نقطة اللاعودة وهي: النزاع على ملكيات الأراضي الزراعية على خلفية الجفاف والتصحر، بالإضافة الى الشح في مصادر المياه والاقتتال عليها بالتزامن مع الغياب الفاضح للمشاريع التنموية والقصور في سياسات التعليم. كما يربط استفحال الصراع في الإقليم بعوامل أخرى تتعلق بالكوارث الطبيعية وظاهرة النهب المسلح، بالإضافة الى العوامل السياسية المحلية الضاغطة تناغماً مع صراعات دول الجوار (تشاد وليبيا) التي وجدت في اقليم دارفور ساحة لها لتسوية الخلافات في ما بينها.
وتطرق الكاتب الى الدور الخفي وراء تصاعد العنف في اقليم دارفور مشيراً في هذا الصدد الى موقعه الجيوبوليتيكي (أكبر دولة إفريقية ولها حدود مع تسع دول) بالإضافة الى مخزون الثروات السودانية المدرجة على أجندات الدول الغربية بشكل غير معلن، نظراً لأهميتها الاستراتيجية الكبرى. حيث زاد الاهتمام الأميركي بالسودان بعد أن تمكنت الأخيرة من استخراج النفط وتصديره الى الخارج عبر الشركات الصينية والآسيوية، ولم تنس القرارات التي اتخذتها الحكومة السودانية بهذا الصدد حيث طردت إحدى الشركات الأميركية النظيرة. فالصين تستهلك 3/1 من احتياجاتها النفطية من القارة السمراء، كما أن الولايات المتحدة الأميركية رسمت خطة نفطية لها ترمي للحصول على ربع احتياجاتها النفطية من إفريقيا بحلول العام 2015، أضف أن اقليم دارفور يضم واحداً من أكبر وأنقى حقول اليورانيوم والنحاس في العالم، ما يجعله عرضة للتجاذبات الدولية ومحط أطماع القوى العظمى.
وانطلاقاً من المعطيات السالفة الذكر، تذرعت الولايات المتحدة الأميركية بفشل الحكومات السودانية والاتحاد الإفريقي في ضبط الأوضاع في اقليم دارفور ودفعت بهذا الملف الى مجلس الأمن الدولي بحجة تهديده للأمن والسلم الدوليين، وذلك للضغط على الحكومة السودانية بغية موافقتها على دخول القوات الدولية الى الإقليم. وهذا ما أدى الى تفاقم الأزمة وتعقيدها، وبالتالي نقلها من الحيز الاقليمي الى المجال الدولي الرحب، يحث صدر عن مجلس الأمن حتى تاريخه 14 قراراً دولياً، ترافقاً مع أكبر عملية تدفق أسلحة وأموال الى الإقليم، ناهيك عن حالة الاستنفار والترقب لنزاع لم يشهده العالم من قبل كما يصفه الكاتب.
وقد احيل ملف التحقيق في جرائم دارفور الى المحكمة الجنائية الدولية من خلال مجلس الأمن بالرغم من أن السودان ليست عضواً فيها (القرار رقم 1593 الصادر في 13 أيار 2005) الذي ووجه بالرفض من الحكومة السودانية والعديد من الدول الإفريقية والعالمثالثية لكونه بقي صورياً ومشوهاً للعدالة بنظرهم لا يضم أي نص قانوني حائز على الإجماع الدولي.
في خاتمة بحثه عن المشكلة في اقليم دارفور يطرح الكاتب أربع محاور ولا يرى مناص من الشروع في معالجتها لحل الأزمة السودانية ككل، فينطلق ألواً من أزمة الهوية التي يعاني منها المجتمع السوداني، فيؤكد على أهمية جمع الفسيفساء الأثني بخطاب وطني محايد ومنهج قومي جامع لتكوين أمة سودانية تضع حداً للجدل بين الافريقانية والعروبة الإسلامية، ثم أزمة الشرعية عبر تطبيق الديموقراطية السليمة التي تنطوي على الحرية والمساواة وإنهاء عملية احتكار الموارد والفرص، لكون غياب تلك العناصر يؤدي الى ظهور السخط والاستنكار فالعصيان والتمرد والثورات. أما عن أزمة المجتمع فيشدد على ضرورة تغيير سلوكيات النخب السياسية وتطوير الخطاب لإعادة الاحساس بالترابط بين أبناء البلد الواحد بهدف ترميم الواقع المشوه والراسخ في ذهنية العقل الجمعي للعرقيات المختلفة. ويؤكد أخيراً على الحاجة للرؤية البعيدة والتخطيط السليم للإدارة الحصيفة من خلال النظر للحل عبر عناصره الأساسية وهي الصراع على الموارد، الصراع بين أبناء اقليم من جهة وبين الحكومة والمركز.

[ الكتاب: دارفور من أزمة دولة الى صراع القوى العظمة.
[ الكاتب: د. عبده مختار موسى.
[ الناشر: مركز الجزيرة للدراسات ـ الدار العربية للعلوم ناشرون 2009.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق