حركة عدم الانحياز الى أين؟
عماد الشدياق
شكلت حركة عدم الانحياز، منذ نشأتها في العام 1961 وخلال مؤتمر بلغراد التأسيسي على يد الثلاثي (جواهر لال نهرو، جوزيف بروز تيتو، وجمال عبد الناصر، أكبر تجمع دولي خارج إطار منظمة الأمم المتحدة، وتزايد عدد أعضائها الى أن بلغ الـ118 حتى اليوم، وكانت في حينه من أهم إنجازات دول العالم الثالث على الإطلاق حيث أضحت ملاذها في إقامة علاقات دولية سليمة بعيدة عن سياسات الأحلاف التي كانت سائدة في ظل الثنائية القطبية، إلا أنها تطورت مع مرور الزمن وبفعل المتغيرات الدولية (انهيار المعسكر الشرقي وانتصار النظام الرأسمالي) من حركة تؤكد على مبادئ الأمن والسلم الدوليين وتنبذ الانقسام العمودي الذي أصاب العالم بين شرق وغرب على المستوى السياسي والعسكري، الى قوة تعنى بأمور العالم الثالث وتهدف الى إصلاح النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي الدولي بهدف رأب الصدع الأفقي الناتج عن الصراع بين الدول الغنية والدول الفقيرة (العالمثالثية) داخل النظام الدولي الواحد. وكان قاسمهم المشترك الى ذلك مبدأ رفضهم للهيمنة الاقتصادية ونهب المواد الأولية على أيدي الشركات عبر الوطنية وأزمات المديونية التي يعانون منها لصالح المؤسسات المالية الدولية.
وعلى الرغم من أن حركة عدم الانحياز لم تأخذ طابعها التنفيذي إلا في سنة 1973 عشية مؤتمر الجزائر، من خلال اعتناقها لبرنامج سياسي واقتصادي يرمي الى طرح نظام اقتصادي دولي جديد، إلا أنها وعلى مدى ستة وثلاثين سنة لم تتمكن من تحقيق أي من تلك الطروحات، حتى تسميتها لم تعد تفي بمضمونها بعد زوال الثنائية القطبية وتربع الولايات المتحدة على عرش "امبراطورية النظام العالمي" التي باتت اليوم تجذب بهيمنتها وسطوتها أغلب أعضاء الحركة المذكورة بفعل التأثيرات السياسية والاقتصادية وحتى الثقافية على العالم برمته.
أكثر من ذلك، يختلط على المراقب دوام سعيهم للفوز بعضوية المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية من اللواتي يشتكون منها ومن ممارساتها تجاههم (منظمة التجارة العالمية، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على سبيل المثال)، من دون أن يحركوا ساكناً في هذا المجال لناحية لمّ شملهم ضمن منظومة اقتصادية اندماجية، تقف سداً منيعاً بوجه من يتذمرون من انتهاكاتهم وتعدياتهم، هذا إذا لم نتطرق الى كشوفات حساباتهم في ناديي باريس ولندن، والى سياسات التثبيت والتكييف الهيكلي المفروض عليهم من البنك وصندوق النقد الدولي.
بل إنها فشلت حتى الآن في تطوير برنامج تنموي محدد للتعامل مع ما يعترضها من صعوبات وأخفقت في تبني سياسات قابلة للتنفيذ بما يخدم مصالحها الاقتصادية، فاقتصرت تحركاتها في الفترة السابقة على إطلاق نداءات الاستغاثة كمحاولة لإسماع أصواتهم للعالم الغربي، ولكن لم يسجل لهم في هذا المجال أي نجاح في تطوير سياسات محددة أو اتخاذ إجراءات ملموسة قابلة للتنفيذ، ناهيك عن عدم وجود أي آلية ملزمة لتنفيذ ما يصدر عنها من قرارات حيث بقيت تدور في حلقة التوصيات غير الملزمة لا القرارات التنفيذية الحقيقية.
حركة عدم الانحياز اليوم تعاني من أزمة مصداقية تجاه المجتمع الدولي ويشوبها التهالك في قدرتها على الحركة في غير صعيد خصوصاً في مجال العلاقات الدولية، حيث مستقبلاً يفترض أن تلي مصر الدولة الإيرانية الى رئاسة المنظمة في العام 2012 الأمر الذي سيثير الجدل نتيجة لما يلحق بها من اتهامات بعسكرة ملفها النووي وأخطاره الأمنية على منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؟.
أضف الى هذا تنوع الخلافات الموجودة أصلاً بين الدول الأعضاء كالأزمة في كشمير بين الهند وباكستان والنزاع بين السودان وتشاد وبين اريتريا وأثيوبيا، إضافة الى الخلافات بين الكويت والعراق... ما قد يزيد في منسوب الامتعاض والتذمر من عدم جدواها وفعاليتها، على الرغم من القدرات التي تمتلكها بعض الدول الأعضاء إن كان على المستوى السياسي أو الاقتصادي والمالي (الهند، البرازيل، السعودية، مصر، إيران وباكستان...) إلا أنها لن تتمكن من استثمارها بما يخدم مصالح الدول النامية وتطلعاتها بفعل الواقع الدولي الجديد الذي فرضته الأحادية القطبية (ولو لم يقرّ البعض بها حتى الآن).
قيمة أي مؤتمر أو لقاء دولي تقيّم نجاحاته على قدر ما يترك من آثار بعد انتهائه، فهل باتت قمم واجتماعات حركة عدم الانحياز نوعاً من أنواع الفولكلور الدولي؟.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق