الاحتواء والتأجيل.. خلاصة ما انبثق من قمة العشرين
عماد الشدياق
أنهت قمة العشرين اجتماعاتها في مدينة بيتسبورغ في الولايات المتحدة الأميركية وسط تعهدات بطي صفحة "اللامسؤولية" التي سادت مطلع السنة الحالية والتي أدت الى تفاقم الأزمة المالية في القطاع المصرفي الأميركي مع ما استتبعها من انهيارات وتعثرات على طريقة الدومينو في اقتصادات ومصارف العالم، حيث تسببت بخسارات الدول النامية زهاء 750 مليار دولار أميركي.
الا ان هذه القمة، وعلى الرغم من كل ما بثته من تفاؤل خلال انعقادها وحتى اعلان بيانها الختامي لم تقدم على اجتراح الحلول الشافية والقرارات التنفيذية الآنية اللازمة، بل آثرت على دفعها الى القمم اللاحقة والمرتقبة السنة المقبلة في كندا وكوريا الجنوبية، فكان لا بد من تسجيل بعض الملاحظات المتعلقة بالمجالات الاقتصادية والسياسة والاجتماعية، خاصة من تلك المستحدثة والطارئة على عالم العلاقات الدولية:
نشأت مجموعة العشرين في اواخر التسعينات على خلفية الظروف الأزمة المالية التي ضربت العالم انطلاقاً من آسيا في تلك المرحلة، وقامت بهدف تعزيز التضافر الدولي وترسيخ مبدأ الحوار مع زيارة الثقل الاقتصادي لبعض الدول النامية (او الدول الناهضة) كالصين والهند والبرازيل...
يهم الأخذ بالاعتبار ان جميع أطراف المجموعة لا يتساوى بالثقل الاقتصادي والصناعي نفسه (دول صناعية كبرى كالولايات المتحدة الأميركية واليابان والمانيا وفرنسا.. بمقابل دول ناهضة كالبرازيل، الهند، المكسيك، الأرجنتين، اندونيسيا والسعودية..) فهي اشبه بتوليفة أو تسوية دولية تحاول الحفاظ على "ما تيسر من ماء الوجه" ضماناً لنجاحات الدول الصناعية (مجموعة الثمان) الى طاقات الدول الناهضة، نظراً لما يمثله حجم تبادلها التجاري والحركات المالية والمصرفية والاستثمارات والاحتياطات النقدية التي تكتنزها، مما جعلها عنصراًُ مؤثراً وجب احتواؤه لمصلحة الأطراف كلها خوفاً من اقدامها على تحويل المنافسة الى صراع مستقبلاً.
الخلفيات الفكرية والأيديولوجية لهذه الدول، اذا صح القول، تختلف بين واحدة وأخرى، منها النيو- ليبرالي (الولايات المتحدة واليابان)، وبعضها يؤمن بنظرية "اقتصاد السوق الاجتماعي" (*) خاصة الأوروبيين (فرنسا، المانيا وايطاليا) بل بعضها الآخر خرج حديثاً من التجربة الشيوعية (روسيا) او ما زال شبحها يلاحقه (الصين) فيما قلة منها تؤمن بالنهج الاسلامي (المملكة العربية السعودية).
الاعلان الأميركي باستبدال مجموعة الثمان بمجموعة العشرين الحالية وتحويلها الى المنتدى الرئيسي للتعاون الاقتصادي الدولي ولو جاء متأخراً وعلى خلفية الازمةالمالية السابقة، يشكل افصاحاً طوعياً بأن الدول الصناعية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الاميركية كانت سابقاً تتفرد بتقرير مصير شعوب العالم قاطبة وفقاً لرؤيتها ومصالحها ليس إلا، وبات اليوم يشكل خطوة ايجابية الى الامام، ترمز الى النية المبدئة للدول الصناعية الكبرى في فتح ابواب النادي المحظور امام الضيوف الجدد.
اعلان نية مجموعة العشرين اصلاح صندوق النقد الدولي من خلال زيادة حصص ومشاركات الدول الناهضة، يعني عملياً التوجه نحو دمقرطة آلية اتخاذ القرار في الصندوق، لكن الأمر متوقف على معرفة من سيتنازل عن جزء من حصصه لصالح تلك الدولة، هل هم دول مجموعة الثمان ام من حساب الدولية النامية؟ علماً ان بعض مسؤولي الصندوق يقولون ان الاتفاق على زيادة الحصص يحتاج لوقت طويل وهو ما يتطلب موافقة تشريعية في بعض الدول، علماً أن ثمة بحث يروج له من وراء الكواليس يهدف الى جمع الموارد الجديدة عن طريق اصدار الصندوق سندات للبنوك المركزية للدول الاعضاء حيث يعتبرها بعضهم من اسهل السبل لزيادة موارده، بحيث تقرضه الدول الاعضاء الاموال عن طريق قروض مباشرة، الأمر الذي ترفضه الدول الناهضة وتطالب بالطريقة التقليدية للزيادة، لكون الأولى ستحرمها من حق التصويت.
قرار قمة العشرين بتشديد الالتزام بأنظمة الاقراض في المصارف والزامها برفع نسب احتياطاتها المالية حرصاً منها على سلامة المصارف ومنع احتمالات تعرضها لهزات مالية، لكن هذا الامر في التحليل، لا يعني سوى تشديد الخناق أكثر على الدائنين وإشهار المزيد من الشروط بوجوههم، بحجة البحث عن وقاية المصارف من القروض الهالكة او الفاسدة التي تحملت الحكومات اعباءها آبان الأزمة المالية الأخيرة.
ربط الأزمة المالية العالمية بما سمي "التصرفات الخاطئة" من جانب مسؤولي المصارف والمؤسسات المالية والمضاربين وبالتالي ربط مكافآتهم بمدى دعمهم لاستقرار المؤسسات المالية التي يعملون بها وليس بنسبة الأرباح او بسرعة تحقيقها.
الأمر الذي منح صك براءة للمنظومة المالية العالمية السائدة، وبرّأ ذمتها من أي خطأ أو شائبة تشوب قواعد اللعبة المعتمدة والمنحرفة أصلاً، ما يشكل التفافاً على الحل ومحاولة للتهرب من حقائقه.
يمكن تلخيص ما نتج عن قمة مجموعة العشرين ان الاحتواء والتأجيل الى القمم اللاحقة، هما أهم ما تم الاتفاق عليه مبدئياً، افساحاًَ بالمجال امام بلورة المشهد الدولي الجديد القائم على التبدل في المعادلات القائمة بين القوى الرئيسية في العالم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق