الاثنين، 19 أكتوبر 2015



مظلومية "أوزيريس" وعاشوراء الفرعونية

الإله أوزوريس .. الملقب بـ"سيد الصمت" حاكم مصر وموحدها، عدوه اللدود منافسه على السلطة: أخاه الاله سث (إله الظلام والشر والفوضى)، معارض توحيد مصر العليا مع وادي النيل.
قام سيث بنصب مكيدة لأخيه أوزوريس، قتله وقطّع أوصاله الى 40 قطعة. هذه الحادثة أدمت قلب أخته أيزيس (وزوجته في الوقت نفسه) فخرجت تبكي وتلطم على مقتل أخيها وزوجها اوزوريس، ثم مضت في رحلة استمرت قرابة 40 يوما، قضتها في البحث عن أشلائه.
في كل منطقة وجدت فيها جزءاً من جسده، أقام الفراعنة معبداً له فيها، الا انهم لم يجدوا رأسه لكنهم إختلفوا حول مكانه الذي قيل إنه مدفون في منطقة أبيدوس.
قامت "إيزيس" بمساعدة أنوبيس (اله الموت) بتحنيط أخيها وزوجها أوزوريس ودفنه (ومن هذه الحادثة قيل ان فكرة التحنيط قد بدأت لدى الفراعنة) ونشأ تلوها ما بات يُعرف بـ"أربعينية الميت" بعد نهاية رحلة البحث عن أشلائه التي استمرت 40 يوما.
بعد هذا التاريخ، ظهرت في مصر طقوس إحياء ذكرى أوزوريس عبر تقديس كل الأماكن التي قيل إن جسده أو رأسه مر بها، وتم بناء معبد على ما يعتقد أنه ضريحه في "أبيدوس" واعتبر محجة بات الفراعنة يتوافدون اليها كل سنة.  
اذا ما تم إسقاط هذه القصة على مثيلته التي تتحدث عن مقتل الحسين (حفيد نبي محمد) فستجد، بمقارنة بسيطة، تطابقا للأحداث تختلف فيه تسمية الشخصيات، تماما كحال الكثير من القصص الإسلامية مثل عذاب القبر لدى الفراعنة مقارنة بنظيره الإسلامي، وقصة منكر ونكير (إيزيس ونيفتيس)، ومعراج Arda viraf الى السموات السبع لدى الزرادشتية .. الخ:
-       أوزوريس كان يلقب بـ"سيد الصمت" قابله الحسين بلقب "سيد شباب أهل الجنة".
-       سث عدو أوزوريس، يقابله يزيد عدو الحسين. 
-       إيزيس أخت أوزوريس تقابلها زينب أخت الحسين.
-       أنوبيس اله الموتى الذي أشرف على تحنيط أوزيرس ودفنه مفتتحا عصر التحنيط ومراسم الدفن، يقابله جابر بن عبد الله اول من زار ضريح الحسين وكانت زيارته فاتحة لبدء عصر الزيارات.
-       أوزوريس وسث تنازعا على السلطة، والحسين ويزيد تنازعا ايضا على السلطة.  
-       تقطيع جسد اوزوريس الى أشلاء وفقدان رأسه، وكذلك تم تقطيع جسد الحسين الحسين وفقدان رأسه.  
-       بكت إيزيس ولطمت على مقتل أخيها أوزوريس، تماما كما بكت زينب ولطمت على مقتل اخيها الحسين.  
-       خرجت إيزيس في رحلة استمرت 40 يوماً بحثاً عن أشلاء أوزوريس ورأسه، وكذلك خرجت زينب في رحلة استمرت 40 يوماً، وعادت بعدها برأس الحسين.
-        التقت إيزيس بأنوبيس وساعدها في دفن أوزوريس، والتقت زينب بجابر بن عبد الله وكان اول من زار الحسين.
-       اختلفوا حول مكان دفن أشلاء ورأس أوزوريس، وكذلك وقع خلاف حول مكان دفن رأس الحسين وجسده.
-        تم بناء معبد ضخم على قبر أوزوريس وأخذ الناس يحجون إليه من شتى البقاع، تماما كما تم بناء مسجد على قبر الحسين تحجّ الناس إليه من شتى بقاع الارض.
-       أحيا الفراعنة ذكرى أوزوريس كل سنة، وتُحيى ذكرى الحسين كل سنة.
-       بعد موت أوزوريس ودفنه ظهر ما بات يعرف بـ"أربعينية الميت"، يقابلها إحياء أبعينية الحسين ايضا.

هذه المقارنة لا تهدف الى انكار مظلومية الحسين او وفاته، الا انها تحاول إلقاء الضوء على: المبالغة التي واكبت وصف الأحداث الإسلامية (كل الاحداث) منذ 1400 سنة، وعلى سوء تقديرها الذي يستبيح عقول الناس والمنطق.

الابستاق Avesta .. هو كتاب زرادشت الرسول، الذي يعد الكتاب المقدس لدى اتباع هذه الديانة، مكتوب باللغة الأفستية والتي تعني باللغات القديمة: الأساس والبناء القوي،.
والإبستاق ذات صلات قوية باللغة السنسكريتية الهندية القديمة، كتب على 12000 قطعة من جلود البقر اتلفت أغلبها ويقال بقي منها نحو 38000 ألف كلمة فقط.
وتعتقد الديانة الزرادشتية بوجود 6 معاونين أو مساعدين لزرادشت الرسول، هم من الملائكة المقدسين يأتمرون بأمر من (سبنتا مئنيو) أو الروح المقدسة وهم: وهومن، واهيشته أشا، واريا خشاترا، سبنته أرمئيتي، هوروارتات، واخيراً امريتات.
وبحسب الديانة الزرادشتية الكون خلق قبل 12000 عام، حكم اله الخير منها 3 آلاف عام، كان فيها اله الشر في الظل، ثم ظهر اله الشرّ وواجه فيها اله الخير الذي منحه 9000 عام ليتقابلوا فيها، وقد كان اله الشر مطمئنا للفوز بالالوهية إلا أن ظهور زرادشت ونشره الدين الجديد جعل الناس تنفر من اله الشرّ مما أدى إلى هزيمته وبقي اله الخير يحكم الكون وهو الذي خلق الاكائنات والاكوان وتربع على عرش الربوبية، ووزع خيره على الكائنات جميعاً، لذا يجب اطاعة اوامره وتوحيده وانه لا شريك له في الملك.
خلال القيامة في المعتقد الزرادشتي سيظهر 3 منقذين وهم المخلصين، هوشيدر ظهر قبل زرادشت بألف عام، هوشيدرماه يظهر بعد زرادشت بألفي عام، وسوشيانس سيظهر بعد زرادشت بثلاثة آلاف عام وهو الذي سيثبت العدل في الدنيا بعد ظلم يطول امده.
الديانة الزردشتية تعتقد بالروح ووجودها، ويعتقدون إن الفاني هو الجسد وليس الروح، وإن الروح ستبقى في منطقة وسطى بين النار والجنة، وأن اعتقادهم راسخ بالجنة والنار وميزان الاعمال والصراط المستقيم (وهو نفسه الذي تتحدث عنه قصص السلف ويعرف بـــ Chinvat Bridge).
أما بالنسبة للجحيم في الديانة الزرادشتية، فهي تختلف في وصفها عن الأديان الأخرى، فالجحيم عبارة عن منطقة باردة وفيها أنواع من الحيوانات المتوحشة، تعاقب المذنبين بما اقترفت أيديهم من أثم في الدنيا.
وظهرت الزرادشتية 3500 سنة قبل الميلاد، وجاءت بتعاليم وشعائر تطبقها لحد الآن الديانات التي جاءت بعدها.
تعتقد جل الروايات أن زراديشت النبي ولد بدون أب كما هو الشأن بالنسبة للمسيح.
ويجمع المؤرخون على أن اليهود أخدوا تعاليمهم من الزراديشتية إبان السبي البابلي.
زرادشت طار كذلك فوق المطية وقام بجولة في الجنة والنار قبل الاسلام بواحد وعشرين قرنا.
يؤمن الزرادشتيون بالحساب حيث انهم يعتقدون أن الزرادشتي الصالح سيخلد في الجنة إلى جانب زرادشت في حين ان الفاسق سيخلد في النار إلى جانب الشياطين.
يصلي الزرادشتيون 5 صلوات بعدما يتوضؤون ويدعون وأقاتها الصبيحة وأثناء الظهر والعصر وبعد الغروب والفجر.
في الزراديشتية عذاب القبر والثعبان الأقرع وزبانية الجنة والنار وملك الموت.
السؤال هو : لماذا تقوم الأديان الأخرى بالاستهزاء من الزرادشتية ؟! على أساس أن دينهم هو السبّاق لشعائره ؟!



الأحد، 17 مايو 2015

المعراج .. أسطورة زرادشتية

المعراج .. أسطورة زرادشتية 

في رحلة تهدف الى الإطلاع على الفضاء والإتيان بأنبائه، أرسل زرادشت مبعوثاً من قومه يدعى أردا فيراف Arda viraf الى طبقات السماء. لم يكن فيراف وحيدا في هذه الرحلة وانما رافقه بها النبي "سروش" و"أدار" الملاك، حيث عرجوا وارتقوا سويا من طبقة إلى طبقة بالتدريج نحو الأعلى، وأطلعوه خلالها على كل شيء، بعدها أمر الإله الصالح "أورمزد" فيراف بالعودة إلى الأرض ليخبر اتباع الزرادشتية بما شاهده هناك.
في التفاصيل، غادرت روح فيراف جسده ذاهبة الى حيث الصراط المستقيم، Chinvat Brigde (عرضه بعرض 9 رماح) وعادت في نهايه اليوم السابع الى جسده، فنهض فيراف مستيقظاً من نوم عميق، سعيدا وجذلا.
فرحت قلوب الاشقاء والمشرعين والكهنة بيقظته، وقالوا :أهلا ومرحبا بك يا فيراف .. يا رسولنا ويا رسول المازدينان، يا من عاد من مملكة الاموات الى مملكة الاحياء.
صلى الجميع وأنحنوا لفيراف، الذي انحنى بدوره مسلّماً عليهم. عندما شاهد الجمع قال فيراف: أبلغكم سلام الرب (أوهرناز) وكبير الملائكة .. من النبي "سوروش" القديس ومن الملاك "أدار" تحيات مباركات، من جميع القديسين الى كل الارواح المؤمنة سكنة الجنة.
ردّ المشرعون فليتبارك اسمك أيها الرسول الامين فيراف، ما قمت به بركة لنا جميعا. جلبوا الطعام الساخن والشراب البارد لفيراف، وقدموا له الكعكة المقدسه.. تمتم فيراف مباركا الطعام، وبعد ان اكل حمد ربه وطلب أن يأتوه بأحد الكتبة .. فكان له ما اراد، وأمره أن يكتب:
جاء "سروش" النبي والملاك "أدار" لاستقبالي في اليوم الأول، انحنيا لي وقالا لي: "مرحبا بقدومك يا أردا فيراف رغما أن موعد قدومك لم يحن بعد".
الصراط المستقيم
أخذني النبي "سروش" و"أدار" الملاك بيدي، وخطونا الخطوه الاولى بإسم الفكر الخيّر، والثانيه بإسم الكلمة الحسنة، والثالثة باسم العمل الصالح، ووصلنا الى الذي خلقه الرب "أوهرناز" : الصراط المستقيم.
عندما وصلنا هناك رأيت أرواح الموتى، التي تبقى جالسه 3 ليالي على جسد الميت تردد الصلوات. طوال هذه الليالي يُرد للروح كل ما قامت به من إحسان وخير عندما كانت في عالم الاحياء.
في الفجر الثالث تغادر روح المؤمن الى مستقرها الأخير بين الاشجار التي تفوح منها رائحه الطيب وهناك يرى المؤمن أمامه أعماله .. يراها كفتاة من حور العين عذراء (Damsel) لم يمسسها بشر ولم تعرف أحدا غيره، بأثداء منظرها يسر الناظرين.
بمساعده "سروش" عبرت بيسر وفرح على الصراط المستقيم. وأنحنت لي الملائكة التي تحرس النبي وكل الارواح ، ورأيت الملاك العدل "راسهن" بيده ميزان العداله الذهبي وكان يزن الاعمال الحسنه والاعمال الشريره.
بعد ذلك أخذ "سروش" و"أدار" بيدي ثانية وقالا: "تعال معنا لنريك الجنة حيث يقطن من أطمئنت قلوبهم ورضوا عن ربهم ورضي عنهم، هنا المجد والسعاده والمسرة، هنا جزاء كل من عمل حسنا وآمن بدينه .. سنريك الظلمات حيث تقطن أرواح من زاغ عن الايمان، حيث عيشة الالم والمرض والخوف. تتصاعد روائحهم النتنه من جهنم حيث يسقيهم خزنتها بكل أنواع العذاب. سنريك أيضا مكان أقامه المؤمنين الواثقين بالرب "أوهرمازد" وملائكته. وسترى الخير وهو في الجنه والشر وهو في النار. سترى الرب وملائكة العرش وترى زيف أهريمان (الشيطان) واتباعه. سترى كيف يعيد الرب الارواح في اجسادها التي ستولد بعد، سترى حسن ثواب المؤمنين في وسط الجنة. سنأخذك الى جهنم حيث ترى الشيطان وأتباعه وهم يعذبون جزاءً على أغوائهم للمؤمنين".
مررنا بمكان رأيت فيه أرواحا ثابته لا تتحرك، سألت عنها أجاباني: "هذا الهامستكان، حيث لا يتحرك الزمان، هذه الارواح باقيه هنا حتى يؤذن لها بالحلول في جسد لم يولد بعد. هذه أرواح من تساوت موازينه. فكل من ثقلت موازين عمل للخير ذهب الى الجنة، ومن ثقلت موازينه بفعل الشر ذهب الى جهنم، اما من تساوت اعماله وتساوت مثاقيله بقي هنا في الهامستكان حيث لا شيء يقيه من برد أو حر وليس له من حام أو شفيع".
درب النجوم
بعد ذلك وضعت أول خطواتي الى طريق النجوم، حيث تكون أفكار الخير موضع الترحيب والتكريم، ورأيت أرواح المؤمنين وهي تتالق وكانها انور النجوم، يجلسون تحت النور الباهي، نفوسهم ملأى بالسعاده والاطمئنان .
سألت من يكونوا؟ قالا لي: كل من لم يصلِ ولم يحكم على أحد ولم يكن زعيما، لكنه وصل الى بفعل الخير ونال شرف هذا المكان.
درب القمر
خطوت الخطوه الثانيه في طريق القمر ورأيت جمعا من الارواح، وسألت "سروش" و"أدار" ما يكون هذا المكان ؟ وأي ارواح تقطن هنا؟ فأجاباني انه درب القمر وهذه أرواح من لم يكن من المصلين، ولكنهم بعملهم الصالح أستحقوا أن يكونوا هنا ، حيث تبيضّ وجوههم كما بيضّ وجه القمر.
درب الشمس
عندما وضعت خطوتي الثالثه على الـ "هوخارشت" (الشمس) رأيت أرواح المؤمنين على عروش وسجاد من الذهب جالسين، وجوههم مبيضه تشع نورا كأنه نور الشمس .. وسألت "سروش" و"أدار": ماذا يكون هذا المكان ؟ومن يكون هؤلاء؟ فأجاباني: هذا هو ادرب الشمس وهذه ارواح من في الحياة كانوا ملوكا وزعماء عادلين.
الجنة
وضعت خطوتي الرابعة في بحر أشعاع "كاروشهمان" العظيم (الجنة)، وجاءت أرواح الموتى لترحب بنا نحن الثلاثة وتسالنا أن نباركهم. قدمت لنا الثناء وسألتني الارواح: "كيف قدمت من عالم الفناء الى عالم الخلود والخير والذي لا يعرف الظلم ولا يلوثه الشر أيها المبارك؟ فلتذق طعم الخلود حيث تنعم الى ابد الابدين. أنت مبارك يا أردا فيراف يا من تشرف على الغابة الخضراء، يارسول المازدينان".
جاءني ملاك نار "أوهرمازد" وقال لي: "تعال معي لاريك خزان ماء الغابة الخضراء التي أشرف عليها"، واخذني ايضا الى خزان الماء الازرق الذي يروي الغابه الخضراء.
الله .. الملائكة .. والقديسون
بعد ذلك نهض كبير الملائكة "فوهمان" عن عرشه الذهبي، وامسك بيدي وأخذني الى حيث يكون الله (أوهرناز) والملائكه العظام والقديسين والانبياء. رأيت هناك الملائكة حراس زرادشت والكثير من الانبياء والقديسين، ووقعت عيناي على جلال الله ونوره وعظمته التي لم ار مثل بهائه.
قال "فوهمان": "هذا هو ربك أوهرناز"، فسجدت له قبل ان يبادرني بالقول: "سلام عليك يا أردا فيراف .. مرحبا بك من عالم الفناء الى عالم الخلود والنور والبهاء".
إلتفت رب العرش الى "أدار" و"سروش " وقال لهما: "خذا أردا فيراف وأرياه مقام المؤمنين الصالحين، أرياه مقام من عملوا الشر وكفروا بالدي". وحالما أنهى رب العرش العظيم كلامه اخذاني بيدي ورأيت المكان بعد المكان .. رأيت الملائكه العظام ومن هم دونهم في المقام، كما رأيت الملائكة المكلفة بحماية الانبياء. (إنتهى كلام أردا فيراف).
اسطورة معراج أردا فيراف الى السماء بهلوية الأصل، يعود تاريخها الى نحو سنة 400 قبل الهجرة، تشبه في الشكل والمضمون الى حد كبير قصة معراج النبي الى السماء. الا ان الأولى أسطورة والثانية حقيقة !!
#المعجزات #الصراط_المستقيم #السموات_السبع #المعراج #الاديان #خرافات #زرادشت 
#pareidolia #pseudoscience #apophenia #epiphany #herd_behavior

الجمعة، 2 يناير 2015


المولد النبوي: إجماع مُبهم عَمّر وانتشَر



يحتفل المؤمنون في 12 ربيع الأول من كل سنة، بــ "عيد المولد النبوي"، وينكبون عشيتها على ارسال المعايدات والصور والأدعية من دون بذل جهد يُذكر للبحث عن حقيقة هذه المناسبة وصحتها أو جدوى الاحتفال بها، متكئين في ذلك على "إجماع الأمة" على عادات وتقاليد ورثوها من الـ "نيو ــــ السلف" بشكل بريء، وألبسوها لبوس المناسبة/الذكرى.
طقوس الاحتفال تختلف بين دولة وأخرى: توزيع حلويات (عصيدة الزقوقو، جوزية بقمر الدين)، قرع طبول ومزامير مترافقة، لدى البعض، مع حلقات رقص على وقع الايقاعات الموسيقية. وعلى الرغم من أن أغلب هذه الممارسات مكروهة الا ان احياء هذه المناسبة ليس محرّماً او مكروهاً في المطلق، لكنها حتما لن تزيد في رصيد المحتفلين بها سوى إيجابية وحيدة تتمثل باستذكار يوم ولادة النبي عند كل سنة (في بعض الدول كلبنان تُدرج تحت بند التوازن الدقيق فيما بين أعياد الطوائف ليس أكثر).. وهنا يكمن السؤال: ما حقيقة وصحة تاريخ 12 ربيع الأول؟
كتب التاريخ تذكر صراحةً، ان الاحتفال بهذه المناسبة جاء متأخرا جداً عن تاريخ وفاة النبي، إذ ظهرت في عهد الدولة الفاطمية التي حاولت (ونجحت في ما يبدو) اضافة الكثير من المناسبات على الموروث الاسلامي بشكل عام!! الا ان الناظر في السيرة النبوية وتاريخ الصحابة وحتى أهل البيت والتابعين لهم (رغم الملاحظات عليها جميعاً)، إلى ما بعد سنة 350 سنة هـــــ (الربع الأول من القرن الهجري وهو تاريخ تأسيس الدولة الفاطمية)، لن يجد أحداً من علمائهم أجمعين تحدث عن هذه المناسبة أو أمر بإحيائها، كما وان اعتماد تاريخ 12 ربيع الأول لم يأت أحد على ذكر أسبابه أو الطريقة التي توصلوا فيها الى حصره لمعرفة ولادة النبي بشكل محدد ودقيق، بمعزل عن أي معيار تقويمي أو حسابي.
قصص كثيرة قُصت في هذا السبيل، بعضها يستند على أحاديث غريبة (في تقديري أقله)، تقول ان النبي أمر بصيام يوم مولده المصادف نهار الإثنين: يقول مسلم عن أبي قتادة الأنصاري في "صحيحه" حديث رقم (1162) "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الاثنين فقال فيه ولدت وفيه أُنزل عليّ". وكأن يوم الإثنين يأتي مرة واحدة كل ألف سنة !!
قصة أخرى من عدة قصص مماثلة تحاول دعم هذه النظرية، نقلها المؤرخ الاسلامي الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي في كتابه "مورد الصادي في مولد الهادي": "قد صح أن أبا لهب (عمّ النبي) يخفف عنه عذاب النار في مثل يوم الاثنين لإعتاقه ثويبة سروراً بميلاد النبي" !! (وثويبة هي أول مرضعة للنبي وجارية عمّه المذكور، أعتقها حين بشّرته بولادة محمد، وقد أسلمت بعد البعثة ثم نظم هذه الأبيات:

اذا كان هذا كافراً جاء ذمة .. وتبّت يداه في الجحيم مخلداً
أتى أنه في يوم الإثنين دائماً .. يخفف عنه للسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذي طول عمره .. بأحمد مسرورٌ ومات موحداً

هذه المعطيات لا تدعم وجهة نظر المحتفلين ولا تمدهم بما يجيب عن تساؤلات المشككين.. فلنذهب الى ما هو أعمق من ذلك:
كثيرة هي أسماء شهور العرب التي تحمل دلالات على حالة الطقس (ربيع وجمادى ورمضان) مما يوحي بأنها كانت ثابتة ومتوافقة مع فصول السنة، الا ان ما نعرفه هو عكس ذلك تماما. فإن مرّ علينا على سبيل المثال لا الحصر، شهر رمضان هذا العام صيفا، بعد بضع سنين سيأتينا شتاء كما هو معروف، وهذا ما لا نراه في تقاويم أخرى كالشمسي والغريغوري واليهودي والقبطي، لماذا؟ 
التقويم الهجري لا يعتمد حساب السنة الكبيسة وهي زيادة يوم أو أكثر كل بضع سنوات لتثبيت الشهور على فصول السنة، فإسم رمضان مشتقّ من الرمض وهي الحرارة، مما يعني ان رمضان كان صيفا وقت تسمية الأشهر وفق التقويم العربي القمري. هنا نطرح التساؤل التالي: طالما كانت الشهور غير ثابتة لما أسماءها كانت كذلك؟ وطالما ان رمضان يصادف حكما خلال فصل الصيف لما تراه يأتي في الشتاء؟
الجواب على تثبيت هذه التسميات نسبة لحالة الطقس يكمن في ما يسمى: "النسيء" المذكور في سورة التوبة الآية 37 (إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما). وهو شعيرة من شعائر العرب في الجاهلية، كانوا ينسأون الشهور فيحلون الشهر من الأشهر الحرم ويحرمون مكانه الشهر من أشهر الحل، ويؤخرون ذلك الشهر، كما كانوا يستخدمون النسيء ليوافقوا الشهور مع الفصول والاحوال الجوية... فأسواق العرب ورحلات الحج وغيرها كانت تتطلب اختيارا جويا جيدا وثابتا. وهو دليل آخر على صعوبة، بل إستحالة، ضبط التواريخ طالما ان مسميات الشهور لم تكن ثابتة في الجاهلية .. فكيف بالأيام؟
وبالاشارة الى أمر آخر، نعلم ان تحديد أهم مناسبتين لدى المسلمين، عيد الفطر وعيد الأضحى، تتمّان وفقاً لولادة قمري رمضان وشوال (عيد الأضحى يصادف دوماً في العاشر من ذو الحجة والمرتبط بدورة بولادة قمر شوال الذي يعلن نهاية شهر رمضان) أي ان هاتين المناسبتين .. آنيتان، ووليدتا اللحظة القمرية، وبالتالي كل ما هو غير المرتبطة بــ "ولادة قمر" يكون حكماً متقلب  ولا يتطابق مع نفسه، وهو الحال مع تاريخ 12 ربيع الأول الذي سيبقى متقلباً بين أيام السنة القمرية، بشكل لن يشير مرتين الى النقطة الزمنية التي إنطلق منها فعلاً (وهو ما يحصل أيضا في التقاويم الأخرىن الكبيسة منها، لكن بفوارق زمنية تبقى هامشية في المدى المنظور).
مفارقة أخرى في الروايات الإسلامية، ذكرت سبب بداية "تأريخ الأحداث"، وجاءت مع عمر بن الخطاب سنة  17 من الهجرة، وهو ما قيل ان "أبا موسى الأشعري (مسلم من اليمن) كتب إلى عمر أنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الناس وقال بعضهم: أرخ بالمبعث، وبعضهم أرخ بالهجرة، فقال عمر: الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرخوا بها، وذلك سنة سبع عشرة، فلما اتفقوا قال بعضهم ابدأوا في رمضان، فقال عمر: بل بمحرم فإنه منصرف الناس من حجهم ، فاتفقوا عليه".
لن أشكك في صحة هذه الرواية لكن يتوجب توضيع ان راويها ربما فاته حقيقة مهمة، هي ان اللغة العربية لم تكن منقطّة في سنة 17 هـــــ ! بل انتظرت الى عهد الدولة الأموية (41 هــ - 132 هــ) حينما أمر الحجاج بن يوسف بتنقيط القرآن الكريم وكلف لهذا نصر بن عاصم، ويحيى بن يَعْمَر (تلميذا أبو الأسود الدؤلي أستاذ النحو ومشكل الحروف)، علماً ان القرآن لم يُجمع بشكل رسمي ودقيق الا خوفاً على دخول اللحن إليه وضياعه، وقبل جمعه لم تكن هناك أي دوافع لغوية لا "تنقيطاً ولا تشكيلاً"، وقد تم ذلك في عهد ثالث الخلفاء عثمان بن عفان (23 هــ - 35 هــ). وقبل هاذان التاريخان لم تكن العرب لتتمكن من القراءة بلا "نصّ وحَفَظة" .. لخلو اللغة المكتوبة من النقاط والتشكيل!!
من جملة ما تشير اليه رواية أبو موسى الأشعري، إن صحت، هو ان قبلها لم يكن هناك ما هو مُؤرخ، كما لم يكن هناك من إتفاق على المرحلة الزمينة او الواقعة التي يستوجب بدء التأريخ من عندها!! الأغرب من ذلك، الحادثة نفسها لم تُدوّن الا في العصر العباسي (كما هو معروف/ او غير معروف لا فرق) نحو 125 للهجرة (740 ميلادي) خلال ما يُسمى "عصر التدوين" الذي أحصى الموروث الإسلامي، بكل ما فيه من روايات وقصص وتواريخ.. كتابةً، أي ان هذه الحادثة إنتظرت ما يقارب الــ 100 سنة حتى تبصر نور الأحرف وبقيت قبل ذلك رواية تتناقلها الألسن .. فكيف بتاريخ المولد النبوي نفسه ؟!!
بالمحاصلة، يمكن القول انه الأوان للإعتراف برمزية المناسية وعدم المغالاة .. فتاريخ المناسبة ليس الا اجماعاً لا يمت الى حقيقة ولادة النبي الفعلية بصلة، وانما إصطلح "الكهنة" على تثبيتها على ذلك من باب العرف .. وكأنه لم يكفنا خرافات وأساطير.

الجمعة، 26 ديسمبر 2014



العربية: لغة بلا معجم تاريخي

عـــــــــــــماد الـشديـــــاق =========
تعيش اللغة العربية الفصحى، التي يحتفل العالم في 18 كانون الاول من كل سنة بيومها العالمي، حالة من التخبطّ والاغتراب، تراه فاضحاً على صفحات مواقع التواصل الإجتماعي، حيث لغة الـ Argot المستحدثة (اللغات والمصطلحات المحكية لدى العامة من الشباب) والخلط ما بين المحلي والأعجمي ـــ الغَريب في مقاطع كلامية وحوارية يصعب على القارىء فهمها وفك رموزها غالباً.
وقد تكون هكذا ممارسات مقبولة لو كانت لغتنا العربية قابلة لـ "قوننة" الطوارىء عليها من المصطلحات ضمن آلية واضحة المعالم، مستدامة ومنظمة، تدرس كل جديد وتضيف كل مفيد الى مخزونها اللغوي عند كل محطة ومناسبة، وهو للأسف ما لم يتوفر لها حتى تاريخه. 
فعلى الرغم من عراقة اللغة العربية وطولها بين اللغات العالمية عمراً، الا ان تراثها المعجمي الكبير الذي خلفه علماء اللّغة العرب القدامى، لا يزال يعاني من قصور في مجال التأثيل، مقارنة باللغات العالمية الحية، وذلك برأي الكثير من الخبراء.
ملامح هذا القصور تتمثل أولاً، بغياب معجم تاريخي للغة العربية (Dictionnaire étymologique) يتيح، فيما لو حصل انجازه، سدّ ثغرة الركود والتحجر، وبالتالي استيعاب التشعب الحاصل في الألفاظ بمدونة موحدة، تسهم في الارتقاء باللغة العربية إلى مصاف اللغات الحية، التي تملك معاجم تاريخية متجددة كالانكليزية والفرنسية والالمانية والاسبانية والروسية..
السؤال الذي يُطرح: لما تعاني لغتنا العربية من هذا القصور؟ وما السبب الكامن خلفه؟
يجيب الخبراء عن هذا التساؤل بربط ظهور أي معجم تاريخي لأية ثقافة بعاملين أساسيين هما:
أولاً، موقف إيجابي وحالة قبول وإقرار بأي مسألة تُعنى في شأن التطوّر اللغوي.
وثانياً، وجود دراسات منهجية في علم اللغة التاريخي.
وهما عاملان لم يتوفرا فعلياً في تراثنا اللغوي، بحيث انه بعد نزول القرآن الكريم بلغته العربية الفصيحة والمشتركة بين جميع اللهجات العربية، كان همّ العلماء العرب والمسلمين وقتها استيعاب اللغة المشتركة وصيانتها ونشرها حصراً.
لم يرَ السلف ضرورة ملحة للبحث في اللهجات العربية ودراسة تطورها، كان اهتمامهم الرئيس ينصبّ على اللغة الفصيحة التي نزل بها القرآن، معتبرين ان أي تغيير قد يصيبها: فساد ينبغي تجنبه  !
ومن هنا جاء مصطلح "عصر الاحتجاج" الذي يعتمد الشعر والنثر مصدرين أضافيين من مصادر النحو والصرف بعد القرآن وأحاديث النبي المنقولة من السلف عن لسان النبي، وذلك خلال القرون الثلاثة الأولى في جزيرة العرب.
أما الدراسات المنهجية في علم اللغة التاريخي وقضايا التأثيل (Etymology)، فلم تبدأ بصورة علمية إلا بعد أن تطوّر علم اللغة في القرن الـ19 الميلادي. ولهذا نجد أن المعاجم التاريخية للغات الكبرى تم تصنيفها في القرنين الميلاديين التاسع عشر والعشرين.
وفي هذا الصدد، يقول خبراء اللغة العربية ان تأليف "المعجم التاريخي للغة العربية" قد يستغرق إعداده عقود (نحو مليار كلمة) وقد كانت أولى هذه المحاولات، تلك الخاصة بالمستشرق الألماني أوغست فيشر الذي عرض في اجتماع المستشرقين الألمان سنة 1907، فكرة تأليف معجم للغة العربية الفصحى يتناول تاريخ كل كلمة، لكن مشروعه هذا لم يبصر النور بسبب الحرب العالمية الأولى.
ثم في العام 1990 كانت هنالك مبادرة لإنشاء مشروع آخر في تونس لكنه توقف، ثم أعيد العمل به سنة 1996 ثم عاد وتوقف لأسباب مادية. تلاه سنة 2006 اعلان اتحاد المجامع اللغوية والعلمية العربية، إنشاء مؤسسة مستقلة تتفرغ لتأليف المعجم التاريخي للغة العربية، لكن حتى تاريخه لم تُعرف النتيجة.
آخر الجهود كانت مشروع معجم الدوحة التاريخي للغة العربية عام 2013، تبناه ولي عهد دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ويفترض ان يستغرق العمل بإعداده قرابة الـ 15 سنة.
وعليه، تعتبر اللغة العربية، اللغة الحيّة الوحيدة عالمياً التي لا تتوفر على "معجم تاريخي" يؤرّخ ظهور ألفاظها ليعيدها إلى أصلها أو أصل اللغة التي اقتُرضت منها، ويتتبع تطوّر شكلها ومعناها واستعمالاتها عبر العصور وضمن المناطق الجغرافية المتباينة التي تُستعمل فيها اللغة العربية أو استُعملت فيها مِن قبل. خصوصاً وان المعاجم العربية الحديثة ليست الا عملية نقل من مثيلاتها القديمة، لا تتعدى حدود الترتيب واعادة التصنيف والتبويب.. لا الإضافة، فتراها عاجزة على تلبية حاجة الباحثين والأدباء والطلاب. 
يتفق خبراء اللغة على الخطوط العريضة التي سترسم خارطة هذا المعجم، ويشرحون انهم سيقسمون تاريخ اللغة العربية اولاً إلى عصور (العصر الجاهلي، الخلفاء الراشدين والأمويين، العباسي، الوسيط، والحديث)، ثم سيختارون  المصادر الأساسية والثانوية التي تمثل جميع عصور اللغة العربية في جميع مناطقها وبمختلف موضوعاتها وتخصصاتها العلمية والفنية والأدبية، ثم إنشاء مكتبة مطبوعات ورقية أصلية أو مصورة (يرجع إليها الباحثون والمعجميون)، ثم تكوين مدوَّنة نصية حاسوبية مزودة ببرامج تحليلية دلالية وصرفية ونحوية، ثم اختيار مداخل المعجم الرئيسية والفرعية وترتيبها طبقاً لنظام معيّن، فكتابة موادّها المدعّمة بالشواهد وتزويد القارئ بجميع العلومات اللغوية والثقافية والتاريخية عنها (صور ووثائق وشواهد .. الخ)، وأخيراً كتابة المقدمة التي تتناول تاريخ اللغة العربية، وتطوّر كتابتها، ومنهجية المعجم التاريخي، وكيفية استعماله، والرموز المستخدمة فيه.
والمعروف ان المعاجم أنواع، فمنها اللغوية العامة، التي تتفرع إلى معاجم آنية ترصد ألفاظ المستعمَلَة في مرحلة معينة، ومعاجم تاريخية ترصد ألفاظ اللّغة في مراحل استعمالها المختلفة.
أما المعجم التاريخي فهو المعجم الذي يتضمن "ذاكرة" كل لفظ من ألفاظ اللغة التي تسجل، بحسب المتاح من المعلومات، تاريخ ظهورها بدلالته الأولى، وتاريخ تحولاتها الدلالية والصرفية، ومكان ظهورها، وهوية مستعمليها اذا أمكن، مع توثيق تلك "الذاكرة" بالنصوص التي تشهد على صحة المعلومات الواردة فيها.
أوجه الجدوى من إنجاز هكذا المعجم عديدة، أولها تمكين الأمة من فهم لغتها بتطوراتها الدلالية على مدى أكثر من 18 قرنا على الأقل، ما يتيح الفهم الصحيح للتراث الفكري والعلمي والحضاري، كما إدراك دلالة كلّ لفظ بحسب سياقه التاريخي. وبالتالي وهو الأهم، تحقيق الوصل بين حاضر اللغة العربية وماضيها في المستويات اللغوية والفكرية والعلمية.
أضف الى تلك الإيجابيات، توفير المعاجم الفرعية، التي تفتقر إليها المكتبة العربية؛ كمعجم شامل لألفاظ الحضارة (الصناعات والحرف والعمارة...)، ومعاجم مصطلحات العلوم (المعجم التاريخي للمصطلحات الطبية، والفيزيائية، والفلكية، والرياضية، والجغرافية، والفلسفية، والشرعية، والنحوية، والبلاغية...)، ومعجم شامل للغة العربية المعاصرة، والمعاجم اللغوية التعليمية وغيرها.
وكذلك تمكين الباحثين من إعداد دراسات وأبحاث متعلقة بتقييم تراثنا الفكري والعلمي، في ضوء ما يتيحه المعجم التاريخي المفترض، دون ان ننسى الاستثمار في البرامج الحاسوبيّة الخادمة للمشروع؛ كالمفهرس الآلي، والمحلِّل الصّرفي، والمحلّل الدّلالي، والمحلّل النّحوي، والمُشَكّل الآلي... وغيرها، في تطوير المعالجة الآليّة للّغة العربيّة .. وهو ما نتمناه وننتظره.






25 كانون الأول: ذكرى لأكثر من ميلاد !

إنتظر ميلاد السيد المسيح حتى نهايات القرن الثالث لتثبيته عيداً إحتفاليا في الــ 25 كانون الأول من كل سنة، وذلك بعد ان استطاع آباء الكنيسة الاتفاق على التاريخ المذكور. فقبل ذلك كان المؤمنون المسيحيون الأوائل يحتلفون بعيد الميلاد في 20 نيسان أو في 20 أيار أو في 6 كانون الثاني. 
ومع إصلاح التقويم اليولياني (وهو التقويم العائد الى يوليوس قيصر والذي يحمل اسمه نسبة لـ يوليوس) ونشوء التقويم الغريغوري (نسبة الى بابا روما غريغور الثالث عشر) الذي حل مكانه وبات متبعا في أغلب دول العالم، نشأ فرق في التوقيت بين 25 كانون الاول اليولياني الشرقي و25 كانون الأول الغريغوري الغربي، ولهذا يختلف توقيت الاحتفال بعيد الميلاد حالياً بين الطوائف المسيحية الشرقية والغربية في العالم.
كان التقويم السائد وقتها هو التقويم اليولياني، مبنيا بعدد سنواته على التقويم الروماني القديم الذي يعتبر سنة إنشاء مدينة روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية. بداية التاريخ كانت سنة 753 ق. م.
في منتصف القرن السادس دعا الراهب الأرمني ديونيسيوس اكسيجونوس إلى وجوب أن يكون ميلاد المسيح بداية التقويم ونجح في دعوته هذه، فأصبح تعداد السنوات منذ سنة 532 م يعتمد على سنة ميلاد المسيح، وهي سنة 753 أي تاريخ انشاء مدينة روما وفقا لحسابات ديونيسيوس.
وبالعودة الى تاريخ 25 كانون الأول، الذي نراه ماثلاً أمامنا في الكثير من المناسبات والمحطات خصوصا لدى الثقافات والديانات القديمة، كان سبباً في تداخل التواريخ فيما بين الأديان تحديدا بمواليد الرسل والأنبياء والآلهة! الا ان اسلوب تحديدها وإعتمادها قد سلك طريقا مجهول المعالم واستقر على الإحتفال بها دون البحث في الأسباب، فباتت مناسبات جامعة على السواء.
ديانات كثيرة كانت موجودة قبل المسيحية، الزرادشتية مثلاً التي تأثرت بها الديانتين المسيحية والإسلامية ونهلت منها الى حد كبير، كانت الغالبة في عهد الدولة الرومانية قبل ظهور المسيح. وعلى الرغم من شحّ المعلومات حول هذه الديانة، إلا ان الإله مثرا الذي كانت بلاد فارس تعبدع وقتها، وصلنا انه ولد في 25 كانون الثاني، وهو اليوم نفسه الذي سمي فيما بعد بعيد ميلاد الاله الشمس الذي يُحتفل به منذ 4 آلاف سنة.
وكذلك الإله تموز لدى البابليين، وهو إله وانسان في الوقت نفسه، سمي بــ "أدون" وتعني الكلمة الإله، وهو نفسه أدونيس اليوناني، وولدا في 25 كانون الأول أيضاً.
أتيس اب الإله ولد في 25 كانون الثاني، وكان في آن: أب وولد الهي وسمي بالمنقذ.
بوذا في الهند ولد من العذراء مايا في 25 كانون الثاني. أًعلنت ولادته النجوم وحضرها رجال حكماء..
ديونيسوس الإغريقي ولد في 25 كانون الثاني من معجزاته أنه حول الماء الى نبيذ.
هرقل الإغريقي، ولد ايضا في هذا التاريخ ، وكذلك الإله كريشنا الهندوسي، ولد من العذراء ديفاكي وكانت ولادته في كهف اناره بنوره الساطع.
أوزيريس اله الموت الفرعوني، جاء ليكمل الناموس، وسمي بـ "كرست" او المختار، ولد من رحم العذراء اسيس ــ ميري في 25 كانون الاول.
لقد تمكن هذا التاريخ من التسلل الى العديد من الثقافات، وما زال القصد مجهولاً من إعتماده. لكن الأكيد ان ولادة السيد المسيح وقعت في تاريخ ما ولم يتمكن أحد من تحديدها بشكل دقيق فإعتُمد تاريخٌ 25 كانون الاول لإحيائها واستذكار نبي الله بمعجزاته التي بدأت بولادته ولم تنته بمماته .. ميلاد مجيد للجميع.

الاثنين، 22 سبتمبر 2014



الدين والاغتراب الفكري


أين الله؟ أين يذهب الموتى؟ بهذا النوع من الاسئلة يبادر أغلب الأطفال ذويهم بالسؤال، وكالعادة لا يحصلون سوى على أجوبة تشبيهية غير واضحة .. وهو أمر مفهوم ومبرر، هذه أسئلة عجزت البشرية الى حينه عن الاجابة عليه، فلا حرج في ذلك. لم يكن العيب يوماً في الاجابة عن هذا السؤال بل العيب يكمن، بنظر البعض الى يومنا هذا، في السؤال نفسه. ولكون الأطفال ... أطفالا، نتحايل عليهم بأجوبتنا. هكذا علمونا منذ الصغر، ثمة أمور أنت ممنوع من السؤال عنها، فكيف بالإجابة عليها؟
مع دخولك المدرسة، انت مجبر بتلقن الكثير من المواد الدراسية.. وليس أي مواد دراسية بل النخبة منها، رياضيات الهندسة والجبر، والفلسفة، والكيمياء والفيزياء... ألخ. أينشتاين؛ نيوتن؛ بور؛ باسكال؛ بيثاغور وغيرهم، حاضرون على الدوام ليشهدوا على تلقنك أفضل ما وصلت اليه تجاربهم والابحاث العلمية من نتائج ... انك تنهل من عصارة هؤلاء، فهم الذين استخدموا الحقائق والأدلة لجعل مستقبلنا أفضل.
عالمياً، دور نشر وخبراء يواظبون على تحديث المناهج وإضافة كل ما يُحسِّن في الشأن التعليمي. الرقيّ بالطلاب نحو الأفضل هو الهدف المنشود دوماً، ما يستوجب التدقيق والمتابعة، فلا يجوز تلقينهم ما هو غير ذي قيمة.
في الشأن الديني الأمر يختلف تماماً، فأنت كمثقف (متمكن مما سبق ذكره أعلاه) عليك ان تفصل بين العلم والمنطق من جهة، والدين من جهة أخرى (او ما وصل اليه الدين من خرافات وأساطير اذا صح القول) إذ جعلوا الدين، غصباً عنه، يتنافى مع كل ما هو "علمي"، الأمر الذي يصيبك بنوع من الاغتراب الفكري او الـــ"شيزوفرينيا" الثقافية دون أن تشعر، ويزرع بأعماقك مفتاحاً/محوّلاً: تارة تتعاطى مع الامور الحياتية كالعمل واللهو والتنقل والمحادثة مع الآخرين بالعقل العلمي ـــ المنطقي، وطوراً يفصلك (هذا المفتاح) الى منقلب آخر حيث الإيمان بالخرافة والــ"ماورائيات"، حينما تتعاطى أي شأنٍ الديني.
تحكيم العقل والمنطق في المواضيع الدينية أمر محفوف بالمخاطر، انت معرضٌ لكيل الاتهامات جذافا بالزندقة والكفر، وكأن المنطق العلمي يختص حصراً في شؤون علمه، فيما للدين رجاله وأقواله ومعتقداته القائمة بذاتها، ممنوع عليك مقارعتها ومقارنتها باكتشافات العلم، فأنت لست مؤهلاً لهذا (ثمة وسطاء بين العابد والمعبود يُفرضون فرضاً: رجال الدين)، هم وحدهم مؤهلين لـ "امتطاء" الاكتشافات العلمية (المجتزأة) بغية التأكيد على مقارباتهم الخاصة للكون والخلق.. وليس بهدف بلوغ الحقيقة.
تناقل المعتقدات الدينية يعتمد في الغالب على الآذان، فالأذن عنصر رائج في نهل العلم الديني. ليس مهماً ان تتحقق مما تسمع، يكفيك حفظ وترداد ما سمعته على من هم حولك، ليكتسب سمة الصدقية والاحقية في النقل... هزلت !!