الأمن الغذائي العالمي.. تحديات كبيرة وحلول صعبة
عماد الشدياق
افتتح في 13 تشرين الأول (اكتوبر) الماضي في العاصمة الايطالية روما، منتدى رفيع المستوى للخبراء الدوليين، برعاية وتنظيم منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) وبمشاركة بعض المنظمات غير الحكومية والهيئات الأكاديمية من البلدان النامية والصناعية، للبحث في كيفية إطعام العالم عام 2050، في ظل أعداد الجياع المخيفة التي تعلن عنها المنظمة تباعاً.
وتلا هذا المنتدى اجتماع للجنة الأمن الغذائي العالمي التي بحثت خلاله الاصلاحات التي ستمكنها من تأدية دور فعّال أكثر على صعيد الحوكمة العالمية للأمن الغذائي.
ويأتي الاستحقاقان في خضم الجهود التي تبذلها "الفاو" بالتعاون مع جهات دولية وإقليمية أخرى، تفضي الى انعقاد قمة عالمية على مستوى رؤساء الدول والحكومات حول الأمن الغذائي بين 16 18 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الحالي، وذلك للمرة الثالثة منذ تأسيس منظمة "الفاو" في العام 1945 وسيصادف المؤتمر "يوم الأغذية العالمي".
وطبقاً لأحدث تقديرات الأمم المتحدة، يتوقع العلماء ارتفاع عدد سكان العالم من 6,8 مليارات نسمة الى 9,1 مليارات عام 2050، ما يعني أنه يتوجب إطعام ثلث إضافي من البشرية في ذاك الوقت مقارنة بما هو الوضع حالياً، الأمر الذي يطرح نفسه كتحدٍ بالغ الأهمية والخطورة على كافة الأطراف الدولية، ويتطلب التصدي والاستعداد له من الآن حتى التاريخ المذكور.
أضف الى ذلك أن واقع الأمن الغذائي العالمي، يشوبه أصلاً الكثير من العلل والتعثرات مما يزيد الأمور تعقيداً.
ومن جملة التحديات الأساسية التي تعترض الأمن الغذائي العالمي: ضرورة اجتثاث الجوع على وجه الأرض، الذي لا يقتصر على ضمان انتاج غذائي يكفي البشرية قاطبة، عبر اكتشاف الوسائل الكفيلة بحصول البشر على ما يحتاجونه من غذاء لحياة موفورة النشاط والصحة.
ومن أهم الأخطار التي تدق ناقوسها منظمة "الفاو" في هذا المجال، التغير المناخي (التصحر، ندرة المياه، ضيق المناطق الزراعية، الاحتباس الحراري) الذي يعتقد أنه يفاقم الأوضاع، أكثر فأكثر، في الدول النامية. وسيشكل أكبر خطر على الأمن الغذائي العالمي، إذ ذكر تقرير أعدته "الفاو" أن التنمية الزراعية والأمن الغذائي سيكون لهما في المستقبل صلات وثيقة مع التغير المناخي وتأثيراته، وقد يلحق الاحتباس الحراري خسائر كبيرة بالمناطق الأقل نمواً كتلك التي تفتقر الى الأغذية.
ويتخوف المراقبون مستقبلاً من ظاهرة إنتاج الوقود الحيوي المتنامية في العالم الغربي، حيث أنها تثير مخاوفهم بشأن آثارها السلبية على الأمن الغذائي، لا سيما مع ارتفاع أسعار بعض المحاصيل الزراعية الى أكثر من 40% في السنوات الأخيرة التي مضت، بسبب الطلب المتنامي عليها (كالذرة، الشمندر، وقصب السكر، لانتاج الجيل الأول المعروف بـ"البيوايثانول") بالإضافة الى السمسم، الصويا وباقي الحبوب الزيتية لانتاج الجيل الثاني من مواد "البيوديزل") بغية استخدام الوقود الحيوي في وسائل النقل كبديل مستقبلي للوقود الأحفوري المستعمل حالياً.
الأمر الذي أثار جدلاً علمياً واسعاً بين مؤيد ومرتاب من حقيقته وجدواه الاقتصادية وأبعاده الجيوسياسية، وبات مادة رئيسية في المؤتمرات العلمية ووسائل الإعلام.
أما الحلول التي يعول عليها لتلافي تلك المشاكل، فينظر المراقبون نظرة أمل الى التنوع البيولوجي وما ستتبعه من معاهدات واتفاقيات متعددة الأطراف في هذا المجال.
وتأخذ "معاهدة الموارد الوراثية" التي وافق عليها مؤتمر منظمة "الفاو" في تشرين الثاني 2001، حيزاً مهماً في هذا المجال، إذ ينتظر أن يتم تفعيلها للأغراض المذكورة (عقدت الدورة الأولى للجهاز الرئاسي للمعاهدة في 2006، في مدريد بإسبانيا). وتتمثل أهداف المعاهدة، بـ"صيانة الموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة واستخدامها المستدام وتقاسم المنافع الناشئة عن استخدامها بصورة عادلة ومتساوية اتساقاً مع اتفاقية التنوع البيولوجي للزراعة والأمن الغذائي المستدامين".
وتشمل المعاهدة استراتيجية تمويلاً لتعبئة الأموال اللازمة والخطط والبرامج ذات الأولوية، خصوصاً في البلدان النامية والبلدان التي تمر اقتصادياتها بمرحلة تحول مع مراعاة خطة "عمل ليبزريج" العالمية التي وضعت في العام 2004 حيث تشدد على: حماية المعارف التقليدية ذات الصلة، المشاركة المتساوية في تقسيم المنافع المستمدة من استخدام الموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة، والمشاركة في صنع القرار على المستويات الإقليمية وصيانتها واستخدامها المستدام.
وفي سياق متصل أيضاً، يولي الخبراء اهتماماتهم للتوسع المطرد في زراعة النباتات المعدلة وراثياً (OMG) لزيادة إنتاجيتها، ولقدرتها على مقاومة الآفات الزراعية وما شابه، وبالتالي لتتمكن من تلبية الجانب المطلوب من الاحتياجات الغذائية المستقبلية المطردة، بالتزامن مع الانفجار السكاني المرتقب والتراجع المتنامي لرقع الأراضي الزراعية (لأهداف صناعية وسكنية)، على الرغم من كل التحذيرات التي تصدر عن دور الدراسات والأبحاث، بشأن المخاطر الصحية التي يظن أن يتسبب بها هذا النوع من المزروعات، إلا أن أحدث الدراسات البريطانية تكشف أنها تبقى افضل وأوفر من التوسع في الزراعة التقليدية التي تستوجب استعمال الأسمدة والمخصبات (المصدر الرئيسي لغاز الأوكسيد النيتري) الضارة جداً بالبيئة.
إلا أن الكثير من "الطبيعيين" (نسبة للطبيعة) والواقعيين، النابذين للتوقعات الحسابية المفرطة، يقللون من خطورة الاعتبارات الآنفة الذكر، ويستذكرون دراسات إحصائيي القرن الماضي عن زيادة أعداد البشر ضمن التوالي الهندسي نسبة الى الزيادة حجم الأغذية ضمن التوالي الرياضي، حتى بتنا في الألفية الثالثة ولم تصح تلك التوقعات حتى حينه. فيعزون الى أن الحلول وليدة لحظتها ليس إلا... ولا داعي للقلق.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق