الخميس، 16 فبراير 2012


أي سيادة في ظل العولمة؟

عماد الشدياق
كرست اتفاقية وستفاليا في أوروبا 3 مبادىء أطرت تفاعلات العلاقات الدولية بموجبها وهي:
* مبدأ سيادة الدولة سياسياً وحقها بإدارة شؤونها الخاصة.
* مبدأ المساواة بين الدول.
* مبدأ عدم التدخل في أعمال الدول الداخلية.
* ويتجه أغلب المنظرين الى تخصيص السيادة بخمس ميزات ثابتة، وهي الشمولية بحيث انها تطبق على جميع المواطنين دون استثناء، دائمة بدوام الدولة، لا تتجزأ بمعنى انه لا يوجد سوى سيادة واحدة، وغير قابلة للتنازل والا فقدت الدولة فحواها وذاتها، ومطلقة لاستحالة وجود سلطة او هيئة أعلى منها.
وقد بقيت هذه المبادىء الراعية للمفهوم الأم، سائرة المفعول الى ان اشرق فجر العولمة ـ بالتزامن مع انهيار المنظومة الشيوعية ـ التي كان ينتظر منها ان تحد من مشكلات الشعوب وتكبح استنزافاتهم من سائر جوانب حياتهم وتحت العديد من العناوين. ولم يبق من السيادة شيء يمكن التحدث عنه خاصة لدى دول العالم الثالث، مع الإشارة ان مفهوم السيادة كان ولم يزل حافز للدول الصغيرة والضعيفة من هيمنة الكبار وأطماعهم.
الا ان التطور الذي شهده عالم العلاقات الدولية بزيادة عدد لاعبيه، ادى الى تجزأة مفهوم السيادة وتجويفه من مضامينه قسراً وقطعت اوصاله الى مجموعة من السيادات المنقوصة سياسياً، اقتصادياً، ثقافياً، وقضائياً؟؟
ففي المجالات الاقتصادية، وفي ظل المديونية التي تعاني منها معظم دول العالم، يسمح صندوق النقد الدولي والبنك الدول لنفسيهما بممارسة دور "الحارس القضائي" على مقدرات الدول النامية، ووكيل يدير أزمة "المديونية العالمثالثية، بوصفة واحدة موحدة دواءها الخصخصة وترشيد الانفاق العام؟؟ بمقابل تحرير رؤوس الاموال الخاصة دخولاً وخروجاً عبر الحدود توسلاً للربح السريع بمعزل عن اي اعتبار اخلاقي او اجتماعي.
وعلى المستوى السياسي سقطت السيادة رهينة عناوين فضفاضة كالأمن والسلم الدوليين (كالحال في العراق وافغانستان وجورجيا مؤخراً) ونشر الديموقراطية وحماية حقوق الانسان والتدخل الانساني (في يوغسلافيا وجزيرة هايتي) التي تقررها ارادة دول العضوية الدائمة في مجلس الامن، وضمن ازدواجية "معاييرية" عمياء وغبّ طلب مصالحها وحاجاتها.
أما في المجال الثقافي، وبفضل مركب وكالات الأنباء العالمية (ذص،ذئء،ذء،َّْمُِّّمز) التي تتفرد بصناعة الخبر وصياغته ليبث بالاسلوب الأنفع لمصالح مموليها من دول وشركات عبر وطنية ومنظمات، ناهيك عن الغزو الثقافي الذي يصيب شعوب العالم ويسلخها من هوياتها القومية لصالح ثقافة الاستهلاك الموجه ولصالح النمطية الغربية المزمنة دون حسيب او رقيب (برامج تلفزيون الواقع، الموسيقى، وافلام هوليوود).
استقلالية القضاء ونزاهته سمة تتغنى الديموقراطيات الغربية بتطبيقها، وتحرمها على الدول المستضعفة، من خلال القفز فوق القضاء المحلي نحو التحكيم والقضاء الدولي في النزاعات الاقتصادية مع الدول والشركات، ونحو المحاكم الجنائية الخاصة والدولية (محاكم رواندا، سيراليون، كامبوديا، السودان مؤخراً) لمعاقبة الخارجين عن قانون اللعبة التي يضعون شروطها.
لقد خضع مفهوم السيادة الى إعادة التقييم من مدارس فكرية تبنت وجهتي نظر متباينة، الاولى وهي نظرية الادارة العالمية التي تؤكد تلاشي وانهيار السيادة تدريجياً في ظل التواصل والاعتماد المتبادل بين الدول والمنظمات الدولية والغير ـ حكومية والشركات العبر ـ وطنية، او في أضعف الايمان تتجه نحو الضمور الى حدودها الدنيا لتصبح مهام الدولة محصورة بتسيير شؤونها الداخلية الصرفة لتفوض صلاحياتها السيادية الى هيئات خارجية فوق ـ وطنية، اقليمية ودولية (كمنظمة التجارة العالمية، الأمم المتحدة) وتتخذ لهذا المنحى، من الاتحار الأوروبي نموذج ترويجي بمفاهيمه الاندماجية والانمائية. أما النظرية الاخرى (القومية) تتمسك بمضامين السيادة النيو ـ كلاسيكية وتراهن على بقائها ما بقيت الدولة ذاتها، وذلك لحتمية الفشل الذي ستمنى به ممارسات المجتمع الدولي نتيجة لسواد ثقافة الربحية والهيمنة على حساب المساواة والعدالة الاجتماعية، فتطالب بالعولمة البديلة (no-mondialisatiretlA) كمخرج لهذا المأزق.
ومن جهة اخرى، تراهن هذه المدرسة على اعتبارات تنفرد الدولة القومية بامتلاكها، بدليل تلمس المؤسسات الدولية بمختلف تلاوينها حقيقة وجود هذه الاعتبارات عند "الدولة الحديثة او الراعية" ـ كما كانت تسمى في القرنين الماضيين ـ القائمة على امكانية توفير العدالة الاجتماعية والمساواة بين شرائح المجتمع والديموقراطية الحقة، وتعترف هذه المؤسسات ضمناً بفشلها عن معالجة هذا النوع من المشاكل بسبب افرازات عولمتهم المبتكرة.
فللأسباب السالفة الذكر، وقعت الدول النامية في مصيدة التبعية في سياداتها مقابل أمنها الانساني بمفهومه الشامل، واضحت تجهد وتتهافت لتأمين احتياجاتها الإنمائية (سياسياً، اقتصادياً، واجتماعياً) على وقع طبول مراسم الاعدام المحتم بمقصلة العولمة، فأي سيادة يحدثوننا عنها؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق