الخميس، 16 فبراير 2012


اللغة الأم.. مخاوف وتحديات

عماد الشدياق
تحتفل منظمة الاونيسكو في الواحد والعشرون من شباط عند كل عام باليوم العالمي للغة الأم، كتقليد أخذته على عاتقها منذ العام 1999 يهدف الى الدفاع عن التنوع اللغوي، ويمثل لحظة تأمل في اللغات المحلية المهددة بالانقراض، من خلال تقصي الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة التي طافت على وجه الاهتمامات الدولية عشية استفحال الأخطار المتأتية جراء العولمة، فتصر منظمة الاونيسكو على ضرورة التنوع اللغوي الذي يعني ضمن ما يعنيه أيضاً إحياء غير مباشر للتنوع الثقافي والحضاري.
فاللغة الأم، وعلى خلاف ما تحمله من قيم الجماعات وهويات أفرادها الاجتماعية، وعلاوة على دورها في الاقتصاد العالمي، تدل الى تلك العلاقة الحميمة التي تربط الانسان بذاته، فهي الانسان نفسه ووسيلته للتواصل مع الآخرين وأدائه المعرفية والثقافية، بل "هي البعد الأساسي للكائن البشري". ويشكل تعزيز هذا التنوع أو التعدد في مجالات التعليم والثقافة، وفي وسائل الإعلام والحياة العامة، شرطاً جوهريا لضمان المساواة بين اللغات والشعوب في الانتفاع من التعليم والمعارف.
وفرصة محورية في مشاركة الجميع بكبح جموح العولمة بواسطة ما اصطلح على تسميته منذ العقد الأخير من الألفية الثانية بالتنمية المستدامة، وتنظر المنظمة الدولية لمشاريعها (تعزيز التنوع الثقافي، حوار الحضارات والثقافات، التعليم، بناء مجتمعات المعرفة) نظرة فشل ما لم يلتزم الجميع بالعمل على تعزيز اللغات وضمان تعددها، فتشير بهذا الصدد الى التعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص من الحكومات والمنظمات الدولية والغير حكومية، المجتمع المدني، والهيئات التعليمية لردم الصدع ونشر السياسات الحمائية للغات المهددة بالانقراض في العالم، وسط ما تنشره من احصاءات مخيفة بهذا الشأن في "أطلس اللغات المهددة في العالم" عند كل 21 شباط فتشير الى أن نصف لغات العالم والبالغة نحو 6700 لغة مهددة بالانقراض، في حين ان 96% منها محكية من قبل 4% من سكان العالم فقط، وكل أسبوعين من السنة يشهدان على اندثار واحدة من تلك اللغات، كما يحدد خبرائها بأن أية لغة تدخل مرحلة الخطر حينما يتوقف أكثر من 30% من أولاد أي جماعة ينطقون بها من تعلمها؟ ويصيبك الهلع عندما تدرك حجم تمثيل لغات العالم في المجالات الرقمية بمقابل الانكليزية التي تحتل 50% من مواقع الانترنت ويوزع الباقي على مجمل لغات العالم (4% للغة العربية فقط).
متى تتعرض اللغة الى خطر الاندثار؟
يجيب الخبراء عن هذا السؤال بتشخيص عدد من الأعراض التي تصيب أي لغة في العالم، فحينما تتوقف جماعة ما عن التحدث في لغتها الأم، أو حين تحصر استعمالها في مجالات بسيطة ومحدودة، فتحرم أجيالها القادمة من توارثها. وقد تندثر لغة ما لأسباب خارجية وغير إرادية (عسكرية كالتجربة السوفياتية، واقتصادية كما يحدث في بعض المدن الخليجية حيث تسود اللغة الانكليزية لضرورات العمل، أو دينية كمثل الكيان الإسرائيلي الذي يفرض اللغة العبرية على المستوطنين الجدد القادمين من أقطار المعمورة) كما يعتمد هؤلاء الخبراء منهجية تقييمية لحيوية اللغات وما يحدق بها من أخطار من خلال تسعة عوامل معيارية تسعى مجتمعة في تصنيف مستوى الخطر المحدق بأي لغة على شفير الانقراض، كعدد المتكلمين باللغة نسبة الى حجم السكان، ردة الفعل تجاه المجالات الرقمية المستحدثة، نسبة استعمال اللغة في القطاعات العامة والخاصة، إمكانية توارث اللغة عبر الأجيال، نوعية التوثيق، وتوفر آليات التسجيل والتلقين والحفظ.
ويذكر لمنظمة الاونيسكو من إنجازات معيارية في مجالات الحماية اللغوية والثقافية كالإعلان العالمي بشأن التنوع الثقافي وخطة العمل لتنفيذه (2001)، اتفاقية حماية التراث الثقافي غير المادي (2003)، توصية بشأن تعزيز التعدد اللغوي واستخدامه وتعميم الانتفاع بالمجال السيبرني (2003) واتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي (2005).
أما على صعيد المبادرات الميدانية، يجري عمل المنظمة في إطار قطاع التربية على نشر التعليم المتعدد اللغات، اللغة الأم، لغة وطنية أو إقليمية، ولغة دولية. كما تدعم اللغات المهددة بخطر الاندثار بوصفها كحاضن للتراث غير المادي، عبر مساندة قطاع صناعة النشر والترجمة باللغات المحلية.
إلا ان المتخصصين في هذا المجال يشيرون الى ان الشهرة العالمية التي تحظى بها أية لغة لا تتوقف على عدد الناطقين بها فقط، بل تتعدى ذلك نحو مستواهم التعليمي والثقافي ونشاطاتهم الاقتصادية، فاذا توفرت فيهم هذه الشروط ازدادت الحاجة الى ترجمة أعمالهم الثقافية والفكرية، وهذا ما تفقده لغتنا العربية للأسف بسبب ما أصابها من عجز من توليد الفكر وانتاجه، علماً ان حركة الترجمة من العربية قد زادت بعد أحداث 11 أيلول (الحافز لذلك كان عامل الخوف من العرب والمسلمين وليس طمعاً باكتساب المعارف والعلوم).
لم تعد مسألة اللغة تقف عند حدود التواصل مع الآخرين، بل تخطت تلك المرحلة وأصبحت تمثل جزءاً لا يتجزأ من السيادة الوطنية التي ينبغي الدفاع عنها كالدفاع عن أي شبر من التراب الوطني، فيكفي ان نشير الى تجربة الاتحاد الأوروبي التي كسرت كل مقاييس الاندماج في المجالات السياسية، الاقتصادية، الأمنية، القضائية... ووقفت عند حدود اللغة، حيث يعمل في مؤسسات الاتحاد الأوروبي نحو 4000 مترجم فوري وتحريري بغية حماية الشرعية الديموقراطية للاتحاد، كما يصف الموقف القيمون عليه؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق