الاثنين، 22 سبتمبر 2014



الدين والاغتراب الفكري


أين الله؟ أين يذهب الموتى؟ بهذا النوع من الاسئلة يبادر أغلب الأطفال ذويهم بالسؤال، وكالعادة لا يحصلون سوى على أجوبة تشبيهية غير واضحة .. وهو أمر مفهوم ومبرر، هذه أسئلة عجزت البشرية الى حينه عن الاجابة عليه، فلا حرج في ذلك. لم يكن العيب يوماً في الاجابة عن هذا السؤال بل العيب يكمن، بنظر البعض الى يومنا هذا، في السؤال نفسه. ولكون الأطفال ... أطفالا، نتحايل عليهم بأجوبتنا. هكذا علمونا منذ الصغر، ثمة أمور أنت ممنوع من السؤال عنها، فكيف بالإجابة عليها؟
مع دخولك المدرسة، انت مجبر بتلقن الكثير من المواد الدراسية.. وليس أي مواد دراسية بل النخبة منها، رياضيات الهندسة والجبر، والفلسفة، والكيمياء والفيزياء... ألخ. أينشتاين؛ نيوتن؛ بور؛ باسكال؛ بيثاغور وغيرهم، حاضرون على الدوام ليشهدوا على تلقنك أفضل ما وصلت اليه تجاربهم والابحاث العلمية من نتائج ... انك تنهل من عصارة هؤلاء، فهم الذين استخدموا الحقائق والأدلة لجعل مستقبلنا أفضل.
عالمياً، دور نشر وخبراء يواظبون على تحديث المناهج وإضافة كل ما يُحسِّن في الشأن التعليمي. الرقيّ بالطلاب نحو الأفضل هو الهدف المنشود دوماً، ما يستوجب التدقيق والمتابعة، فلا يجوز تلقينهم ما هو غير ذي قيمة.
في الشأن الديني الأمر يختلف تماماً، فأنت كمثقف (متمكن مما سبق ذكره أعلاه) عليك ان تفصل بين العلم والمنطق من جهة، والدين من جهة أخرى (او ما وصل اليه الدين من خرافات وأساطير اذا صح القول) إذ جعلوا الدين، غصباً عنه، يتنافى مع كل ما هو "علمي"، الأمر الذي يصيبك بنوع من الاغتراب الفكري او الـــ"شيزوفرينيا" الثقافية دون أن تشعر، ويزرع بأعماقك مفتاحاً/محوّلاً: تارة تتعاطى مع الامور الحياتية كالعمل واللهو والتنقل والمحادثة مع الآخرين بالعقل العلمي ـــ المنطقي، وطوراً يفصلك (هذا المفتاح) الى منقلب آخر حيث الإيمان بالخرافة والــ"ماورائيات"، حينما تتعاطى أي شأنٍ الديني.
تحكيم العقل والمنطق في المواضيع الدينية أمر محفوف بالمخاطر، انت معرضٌ لكيل الاتهامات جذافا بالزندقة والكفر، وكأن المنطق العلمي يختص حصراً في شؤون علمه، فيما للدين رجاله وأقواله ومعتقداته القائمة بذاتها، ممنوع عليك مقارعتها ومقارنتها باكتشافات العلم، فأنت لست مؤهلاً لهذا (ثمة وسطاء بين العابد والمعبود يُفرضون فرضاً: رجال الدين)، هم وحدهم مؤهلين لـ "امتطاء" الاكتشافات العلمية (المجتزأة) بغية التأكيد على مقارباتهم الخاصة للكون والخلق.. وليس بهدف بلوغ الحقيقة.
تناقل المعتقدات الدينية يعتمد في الغالب على الآذان، فالأذن عنصر رائج في نهل العلم الديني. ليس مهماً ان تتحقق مما تسمع، يكفيك حفظ وترداد ما سمعته على من هم حولك، ليكتسب سمة الصدقية والاحقية في النقل... هزلت !!

الاثنين، 8 سبتمبر 2014


اللغة العربية: تطوير وليس حماية

يحتفل العالم العربي في 18 كانون الاول من كل سنة، باليوم العالمي للغة العربية وهو اليوم نفسه الذي تقرر بموجبه إدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية ولغات العمل في الأمم المتحدة.
الملفت اليوم، كان دعوات الناشطين الفايسبوكيين والأصدقاء (مشكورين بالمناسبة) الى الحفاظ على اللغة العربية عبر الكف عن استعمال الأحرف اللاتينية في كتاباتهم هاهنا او على تطبيقات الهواتف الذكية وما شاكل.
الا ان سؤالاً جوهريا يفرض نفسه قبل دعوات الحماية هذه، وبما ان مطلق أي هجوم يقابله دفاعا او طلبا للحماية، فنحن مدعوون الى التساؤل عن ذلك الهجوم الذي تتعرض له اللغة العربية، وما يستدعي بالتالي الدفاع عنها او حمايتها منه.
في التعريف، اللغة هي: "مجموعة الألفاظ والقواعد تتعلق بوظيفة التخاطب والتفاهم بين جماعة من الناس، وهي تعبر عن الفئة الناطقة بها.. عن نفسيّتها، عقليتها، طباعها ومناخها الإجتماعي والتاريخي".
تعريف آخر وأدقّ يذكر ان اللغة هي: "ظاهرة بسيكولوجيّة اجتماعية ـ ثقافية، ليست صفة بيولوجية ملازمة للفرد، تتألف من مجموعة رموز صوتيّة، اكتسبت عن طريق الإختبار، معاني مقررة في الذهن. وبهذا النظام الرمزي الصوتي، تستطيع جماعة ما ان تتفاهم وتتفاعل". وأضيف ان اللغة هي مجموعة من الرموز التي تحاكي صوراً ومشاهد في الذهن (decoder)، يقوم بفكها من كلمة صورة عند الاستقبال .. ويقوم بتشفيرها من صورة كلمة عند الارسال.
في الحقيقة وبالعودة الى الهجوم المفترض، يصح القول ان اللغة العربية ليست من يتعرض لهذا الهجوم، انما اللغات الأخرى هي التي تحرز تقدمات ملحوظة وحثيثة على كذا صعيد (الانكليزية تحديدا)، فاللغة كالكائن الحي تنمو وتكبر .. تتطور وتنضج، الا اللغة العربية بقية جامدة كالحجر، ثابتة وأسيرة الدين الذي "جاءت به وجاء بها" (نتيجة لرغبات معتنقي هذا الدين وتوصيات كهنتهم)... جاءت به لكونها تدعى لغة القرآن وجاء بها لكونه (أي القرآن) هو من "قونن" مرادفاتها لغويا بين صرفٍ ونحوٍ. فاقتصرت مرادفاتها هذه على ثقافة جاهلية خلت أيامها، وكانت سائدة وقتها قبل الاسلام، ثقافة مصطلحات لا تحاكي سوى عيشة أهل البادية وساكنيها.. لا ثقافة قرآنية تقدمية استوعبت ما جاء به الدين لتهضمه وتتبناهن بل قلمت أظافره ودورت زواياه ليتماشى مع مفاهيمها الجاهلية ـ القبلية.
ليس صحيحا على الاطلاق ان اللغة العربية غنية... قطعاً لا. اللغة العربية لغة فقيرة يشوبها قصور وعجز يمنعها من مجارات التقدم... ولهذا يلجأ جمهورها الى لغات العصر الحديث (الانكليزية)، للتثاقف والتفاعل ولفهم وسائل التكنولوجيا الحديثة بلغتها لا بلغتهم .. لغة الحواسيب والهواتف الذكية.
اللغات غير العربية تكبر، يضاف اليها كل سنة مرادفات جديدة، تتمدد، وتنتشر تتجذر وتتعمّق... اشك ان تكون اللغة الانكليزية فُرضت على أي منا بالاكراه او بقوة السلاح، نحن من اختارها لغة رديفة (ان لم نقل بديلة في مجالات التطور) لاستعمال ادواتها.
فليفتح كل منا معجم اللغة العربية وليبحث عن معنى كلمة: "صحراء" او "حر" وليرى حجم المرادفات والمشتركات اللفظية والتشبيهات الجمة التي سيجدها، وفي الوقت نفسه فليبحث عن معنى كلمة ثلج (ذاك الشيء الذي لا يعرف شكله ولا لونه أهل الصحراء) فلن يجد الا تشابيه لغوية مبهمة وسرد لغوي لكلمات بلا طعم او لون. هذا ان لم تبحث عن معنة كلمة "كومبيوتر" او "مايكرو ـ بروساسر"... فلن تعود الا بخفيّ حنين.
الطريف في الموضوع ان طريقة اعتماد مصطلحات جديدة في أي لغة، تعتمد على الابتكارات الفكرية او الصناعي او الطبية او الرياضة او..او..ألخ، يسمى هذا الابتكار باسم ما يكون الأصل، يشتق منه فروع .. فتدرج هذه المشتقات والاسم الأصل بالمعجم. ما حصل مع الغة العربية كان عكس ذلك تماماً: آبان عصر التدوين، قام الخليل بن أحمد الفراهيدي (الملقب بعبقري اللغة واستاذ سيبويه والاصمعي وآخرين...) بصناعة قوالب للمصطلحات تجمع كل احتمالات الاحرف (مثال: لمح، ملح، حلم، لحم) والبحث عن معانٍ لكل منها، وما لم يجد له معنى أهمله... كان يجوب على البدو والأعراب ليسألهم عن معان لهذه الاحتمالات وكانت شروطه لقبول ما يأتون به التثبّت من أميّتهم التامة قراءةً وكتابةً... أي ان الجهل كان ميزة وسمة من سمات واضعي لغتنا العربية (... والنعم !!)
صدقوني اللغة العربية ليست مهددة وليست بحاجة لأي حماية... هاهي لم تتغير منذ اكثر من 1500 سنة ... كانت ولا تزال كما هي. وعليه، دعونا نبحث عن طريقة لتطويرها.. لا لحمايتها لأن حمايتها لن تكون سوى سببا لتحنطها ان لم نقل اندثارها.
 


المولد النبوي ... كذبة قديمة تعمّر وتنتشر

يحتفل المسلمون، بل بعض المسلمين، في 12 ربيع الأول من كل سنة، بما يسمى عيد المولد النبوي، ويتخذون من هذا التاريخ عطلةً او استراحةً من العمل والدراسة ... أذ ينكب، عشيتها، العديد من الناس على ارسال المعايدات والصور والأدعية و.. و ..الخ، من دون بذل أي مجهود يذكر للبحث والتقميش عن حقيقة هذه المناسبة وصحتها أو حتى صحة الاحتفال بها، متكئين في ذلك على العادات والتقاليد التي ورثوها وسلّموا بها من أسلافهم بشكل أعمى، فألبسوها لبوس المناسبة/الذكرى.
طقوس الاحتفال تختلف بين دولة وأخرى، توزيع حلوياتن قرع طبول ومزامير مترافقة مع حلقات رقص على وقع الايقاعات الموسيقية.
كُتب التاريخ تذكر صراحةً، ان هذه المناسبة جاءت متأخرة جداً عن تاريخ وفاة صاحبها، حيث ظهرت في عهد الدولة الفاطمية (أتباع عبيد الله القداح)، الذين حاولوا (ونجحوا على ما يبدو) في دس الكثير من المناسبات والقصص والبدع، كي يغيروا على الناس دينهم، ويجعلوا فيه ما ليس منه.
وعلى الرغم من التشكيك بصحة الأحاديث التي نقلت عن النبي محمد في عصر التدوين (تشكيكي أنا أقله)، حديث واحد منها لم يأت على ذكر هذه المناسبة إطلاقاً... فلما يتبناها العامة ويحتفي بها؟؟ فمن الصعب التقدير !!


ليلة القدر ... فهم خاطىء وممارسة محمودة

يتحرّى أواخر شهر رمضان من كل سنة "ليلة القدر"، وهي ليلة عظّم الله أمرها وجعل العمل الصالح فيها ذا قدر عنده. ويُقال ان من تحصل له رؤية شيء من علامات هذه الليلة في اليقظة، فقد حصلت له رؤيتها فعلا! وان علاماتها لا تظهر إلا بعد أن تمضي! مثل أن تظهر الشمس صبيحتها لا شعاع لها أو حمراء، أو أن ليلتها تكون معتدلة ليست باردة ولا حارة، ومن اجتهد في القيام والطاعة، نال من عظيم بركاتها فضل ثواب العبادة.
في الحديث، ثمة ما ورد انها في العشر الأواخر من رمضان، وفي ضرورة التماسها في الوتر من العشر الأواخر (الايام المفردة)، كذلك هنالك ما ورد من أحاديث عن التماسها في التاسع أو السابع أو الخامس من العشر الأواخر، وايضاً ثمة أحاديث تخبرنا انها في السبع الأواخر، وأحاديث أخرى انها ليلة الثالث والعشرين، لا بل ليلة السابع والعشرين ... وجميعها أحاديث صحيحة !!
ومفهوم ليلة القدر لم يكن يوماً محصوراً بالمسلمين، اذ ان اكثر من ديانة سبقت الاسلام، تتحدت صراحة عن ليلة القدر وتنتظر ظهورها، وتستفيض كذلك في شروح فوائدها وتفسير معانيها.
الديانة الصابئية المندائية التي يعود تاريخها الى ما بعد المسيحية بنحو 200 عام (قبل الاسلام بـ 380 سنة) تتحدث في كتابها الـ"كنزا ربا" Ginza Rba (الكنز العظيم) عن "ليلة القدر" التي تصادف بين الليلتين السادسة والسابعة بعد عيد رأس السنة الصابئية المندائية وهو ما يسمى عيد شوشيان، التي تكون فيها (على حدّ وصفهم) أبواب السماء مفتوحة ويتحقق خلالها ما يتمناه المندائي المؤمن الصادق !!  
وكذلك عند الايزيديين، وهي ديانة قديمة موطنها الأصلي في مدينة "يزد" القريبة من خراسان شرق إيران (حالياً يتركزّ تواجد معتنقيها في منطقة سنجار العراقية التي باتت معروفة لدى العامة بعد الاحداث الدموية الاخيرة التي لحقت بهم على يد تنظيم الدولة الاسلامية "داعش") وأصلها يعود الى الديانة زاردشتية، ثمة ليلة قدر اسمها عيد "شفبرات"، توافق في منتصف شهر شعبان، اذ يذهب رجال الدين عشيتها إلى وادي "لالش"، ويصلّون فيه حتى الصباح، فيما عامة منهم يحيون المناسبة في قراهم ولا ينامون حتى مطلع "الفجر"!!
قد يكون هذا المفهوم تسلل من الديانات المذكورة الى الموروث الاسلامي آبان عصر التدوين، وبقي قصة تُروى للعامة دون أي دليل فعلي أو حسي على وجودها، خصوصا انها لم تظهر على أحد حتى على النبي نفسه !! (ومن أولى من النبي لتظهر عليه هكذا ليلة؟) وبما ان لا ضير منها ولم تلقَ اعتراضاً من احد طالما انها تحفّز الناس على التعبدّ وقيام الليل أواخر أيام شهر رمضان، سلكت طريقها لتترسخ في صيرورة التاريخ الاسلامي الذي بدأ مع عصر التدوين (نحو140 هــ) الذي ماننفك نتحدث عنه عند كل مناسبة.
الا ان القراءة العلمية لسورة القدر في القرآن، تكشف سرا الهياً ينبىء بها عباده عن بداية الكون بشكل انشائي بليغ مع بعض التفاصيل المبسطة بالقدر الذي كانت (ولا تزال) تسمح به المعاني المصطلحات العربية، بعيد عن الحسابات الرياضية المعقدة التي يعجز عن فهمها مطلق أي شخص مثقف مهما علا شأن اطلاعه.
بداية الكون هذه، اصطلح العلم على تسميتها "نظرية الانفجار الكبير" او العظيم The big bang التي توصل اليها علم الرياضيات والفيزياء بعد عمل بحثي تراكمي.

الانفجار الكبير
من منّا لا يحلم بمعرفة ماذا كان قبل نشأة الكون؟ من منّا لا يرغب بالعودة في الزمن إلى أبعد حدّ ممكن، والإبحار حتى منابع الأكوان؟ إن هذه الأمنيات ليست مستحيلة. ولسنا نتحدّث هنا عن افتراضٍ لإحدى الآلات الخيالية. إذ يكفي ان ننتظر حلول الليل، ونتمدّد في مكان بعيد عن أضواء المدينة. إن المشهد الذي تقدّمه لنا القبّة السماوية ليس مجرّد منظر طبيعي مهيب ورائع.
فالواقع أن الكون الذي يحيط بنا، ليس مؤلّفاً فقط من ثلاثة أبعاد (طول - عرض - ارتفاع) مكانيّة أو فضائية، ترتكز عليها رؤيتنا للعالم المحيط، بل هناك أيضاً بُعدٌ رابع، وهو الزمن.
المشهد الذي يبدو لنا في السماء فضائي ـــ زماني. وهذا يغيّر كل شيء، إذ يصبح الرصد في الفضاء هو في الوقت عينه، رصدٌ في عمق الزمن: فالضوء ينتقل بسرعة محدَّدة، تُقارب الثلاثمئة ألف كلومتر في الثانية. وبالتالي، فكلما كانت الكواكب بعيدة عنّا في المكان، كلما أصبح موقعها بالنسبة لنا، بعيداً في الزمان. من هنا النتيجة الحتمية: عندما ننظر الى أي جسم في السماء فنحن لا نراه كما هو، بل دائماً كما كان سابقاً.
بدأ كل شيء مع الخطأ الذي ارتكبه ألبرت آنشتاين في العام 1917. فقد تحدث عن أول نموذج للكون كما رآه: كونٌ ساكن متوازن، موحَّد الخصائص وأزلي. "كانت أجمل غلطة في حياتي" قال آنشتاين في ما بعد. ذلك أن نظرية النسبيّة التي توصل إليها لاحقاً، أظهرت أن الكون في تمدّد مستمر. ومن بعده جاء عالم الرياضيات جورج لوميتر، الذي نشر في العام 1927، أول نموذج حديث للكون، فقد اقترح بالاستناد الى معادلات نظرية النسبية لانشتاين، أن الكون يتمدّد على أثر انفجار كبير، حدث منذ عدّة مليارات السنين (تقدّر بين 13.5 و15 مليار سنة في حسابنا الارضي) .
وقد أكّد هذه النظرية الإكتشاف المدهش، الذي توصّل اليه العالِم الفلكي الأميركي إدوين هابل في العام 1929، فهو يقول: "يبدو أن المجرّات كلها تبتعد عن بعضها بسرعة تتزايد كلما تباعدت المسافة بينها. ثم جاء تحليل المادّة التي تتكوّن منها الكواكب والنجوم، ليؤكّد أن هذه الأخيرة لم تكن موجودة منذ الأزل، بل إنها ولِدت من غازٍ مكثّف وحارّ، قد يكون من بقايا "الانفجار الكبير".
وتبيَّن كذلك أن كميّة الهيدروجين والهيليوم الموجودة في الكون، تتطابق تماماً مع ما يقدّره سيناريو "التركيبة النوويّة الأولّية"، الذي وضعه في العام 1948، الأميركي جورج غاماو. ويقول السيناريو، أن هذه الجزئيّات النوويّة الأوّليّة، قد شكّلت في الحظات والدقائق القليلة الأولى التي تبعت "الانفجار الكبير"، فيما العناصر الثقيلة (مثل الكاربون، الآزوت، الأوكسجين، الحديد وغيرها...)، شكّلتها النجوم ذاتها في ما بعد.
في العام 1950، لم تكن نظرية "الانفجار الكبير"، قد حَظيتْ بعد بموافقة العلماء بالإجماع، وذلك حتى العام 1965، جاء التأكيد الصارخ على نظرية "الانفجار الكبير" بفضل العالِمَين «آرنو بنزيّاس» و«روبرت ويلسن»، اللذين اكتشفا بالصدفة «الإشعاع الكوني المنشأ»، وهو اكتشاف استحقّا عليه جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1978. ويعني هذا الاكتشاف أن الكون غارق في بحر حقيقي من الضوئيات Photons (جزيئات من الطاقة الضوئية)، وهي بقايا من ماضٍ أكثر سخونة وكثافة
هذا البحر الحراري، هو في الواقع إشعاعٌ من هذه الضوئيّات يُبقي الكون بدرجة حرارة لا تتجاوز 270.45 درجة مئوية تحت الصفر! هذا، وقد نجح قمران اصطناعيان، في العامين 1994 و2002، في قياس مواصفات هذا الإشعاع الضوئي وتبيّن انها مطابقة تماماً للمواصفات التي تتحدّث عنها نظرية "الانفجار الكبير".
وانطلاقاً بالتحديد من هذه الركائز الثلاث: 1. سرعة إنحسار المجرّات (أو تمدّد الكون)، 2.التركيبة النووية الأوّلية، 3.الإشعاع الكوني المنشأ، تمكّن العلماء من تقدير عمر الكون، بنحو 13.7 مليار سنة، بدأ من الـ"لامكان" عند حالة  من التوازن الحراري او  thermal equilibrium ذات حرارة ثابتة (السلام الذي سبق الفجر).

(هنا الرابط الذي يتحدث تفصيلاً عن المراحل الزمنية الدقيقة التي مرت بها ولادة الكون)
في القرآن، تقول سورة القدر: }إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5){.
وفي معجم اللغة العربية، "القَدْر" هو مبلغ الشيء وكُنهه ونهايته، ويقال: قَدْرُه كذا، أي مبلغُه او قيمته value/valeur.
·        قَدَرتُ الشّيءَ أَقْدِرُه وأَقْدُرُه من التقدير، وقدَّرته أُقَدِّره.
-       أنزل/نزّل: الانزال يتم دفعة واحدة فيما التنزيل يتم على دفعات أو مستوايات.. نزّل تنزيلاً: والتنزيل هو ترتيب الشيء ووضعه منزلةً.
-       السلام هو الصّحّة والعافية.
-       الفجر وهو التفتح في الشَّيء. من ذلك الفَجْر: انفِجار الظُّلمة عن الصُّبح.
-       الروح هو نسيم وريح كل شيء .. كل ما يُبعث بالهواء هو روح من ريح ... راح يروح روحاً.
-       الملائكة وهو جمع الملاك وكان أصلها مألك، حذفت الألف وقُلبت للتخفيف فباتت: ملك وملاك ومعناها المرسل او الرسول.
أي ان كل ما هو مرسل يعني "الملائكة والروح" مجتمعان ليكونان بعبارات أخرى ما يعرف علمياً بالـ
Waves او النبضات الكهرومغنطيسية. وهو تفسير علمي موجز ومحتمل حول ما قد تعنيه هذه السورة.



رمضان .. بين الرؤية والاحتساب

يشهد العالم الإسلامي نهاية شهر شعبان من كل عام، تبايناً واختلافاً في تحديد أول أيام شهر رمضان، إذ تعتمد بعض الدول على رؤيتها للقمر بالعين المجردة، عملا بحديث: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، في وقت تعتمد دول أخرى على الحساب الفلكي، وتجمع  دول أخرى بين المنهجين.
وما انفك هذا الخلاف يُطرح عند كل رمضان من كل عام، حاملاً في طياته إشكالية تحديد الطريقة الأمثل لتوحيد الأمة، وتساؤلات عما إذا كان يجب العمل بالرؤية المجردة للأهلة أم يجب الاعتماد على الحساب الفلكي !!؟
وقد يكون سبب هذا التباين خلو القرآن من أي إشارة واضحاً تخصّ هذا الشأن بشكل موصوف تحديداً، الا انه أتى على ذكر ما هو أهم من ذلك بكثير، يتعداه الى احتساب أشهر السنة كاملة من ضمنها رمضان الذي لا يعدو ان يكون الا شهرا من أشهر السنة حسب التقويم الهجري، عجز المسلمون (للأسف) عن تبنّيه (ما هو أهم) وسيلة لما ارتضاه لهم ربهم من بيان شهدت عليه الكثير الكثير من الآيات القرآنية:
* "وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ". (النحل 89)
وفيما يخص طريقة احتساب الأيام والاشهر التحقق من دخول بها يقول الله في القرآن:
* "هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ". (يونس5).
* "فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ" (الانعام 96).
* "الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ" (الرحمن 5)
والمقصود في "عدد السنين والحساب" ... و"حسباناً / بحسبان" هو ما يستتبع هاتين العمليتين في ما بات يعرف بالـcalcul integral  او حساب التكامل والتفاضل الذي بدأ العمل به حديثاً (في القرن 16) على يد الرياضي الايطالي بونافنتورا كافالييري Bonaventura Cavalieri، ثم سار على خطاه الفيزيائي والرياضي الايطالي ايضا إفانغليستا توريتشيلليEvangelista Torricelli والانكليزي اسحاق بارو Isaac Barrow.
لقد سبق القرآن هؤلاء الرياضيين بما يقارب 1000 ألف في التحدث عن رياضيات التكامل والتفاضل، وآليات احتساب الأيام والأشهر، الا ان ما يسمى علماء المسلمين يواظبون على التباهي والتفاخر على انهم "أمة أمية" لا تجيد الحساب، بل تأبى ان تتعلم الحساب !
رمضان كريم .. أعاده الله على الجميع بالخير والصحة