الخميس، 16 فبراير 2012


مفهوم السلطة والمتصوفة وما يجمعهما

مراجعة: عماد الشدياق
هو أحد دوائر الفلسفة الإسلامية وتحقيق للعقيدة التي تجمع بين العقل والروح، هو التصوف الذي أربك الباحثين في دراساتهم وكبّلهم في أغلال التكرار والصياغة لآراء ومواقف الأسلاف الذين كرّسوا بعض المسلمات عن التصوف كالحد بين الدين والسياسة.
ينطلق الدكتور عبدالوهاب في دراسته للتصوف من إشكالية رئيسية يعالجها في سبعة فصول تتجلى في محاولته الوقوف على مفهوم السلطة عند المتصوفة وتحليل العلاقة فيما بينهما، فيفرّق بين السلطة بوصفها عملية اجتماعية حركية، فيما الثانية بزعم بعضهم تعدّ تجربة انكفائية تنأى عن الحياة وشواغلها وعن السياسة وتوابعها، هذا على المستوى الفردي. لكن بالمجمل يرى الكاتب حركة التصوف رد فعل على الأوضاع السياسية والاجتماعية المتردية التي دفعت بحركة التصوف مع الوقت الى منحاها المعارض ضد السلطات الزمنية القائمة رغم جزم البعض بعدم تعاطي المتصوفة بالسياسة مطلقاً ونعتهم بالإنهزاميين: "فالمرء يتصوف حين ينهزم لأنه حين يفقد سنده في عالم المادة (السياسة) يذهب فيتلمس الغوث في عالم الروح"، مع أن الحقائق التاريخية تثبت أن نشأة التصوف وزهد كانت سياسية من ناحية ما حيث أفرزا معطيات أخلاقية ومعرفية لا يمكن إنكار انعكاساتها في حقل السياسة!
لقد اتخذ المتصوفة مقاطعة السلطة السياسية خياراً استراتيجياً في تعاملهم معها إزاء مضي الأمة في سبيل التضحية بالشريعة من أجل كسب السلطة، ما جعل التصوف والزهد في نظر أهل السلطة عنصر إقلاق لها وجب محاربته بأي ثمن. لكن السؤال الجوهري عن كل ما تقدم يوجَز بالآتي: لماذا تخشاه السلطة من التصوف؟ بل ما الذي تخشاه السلطة من التصوف؟
يجيب الدكتور عبدالوهاب عن هذه الأسئلة مستعيناً باقتباس من كتاب الأدب الجاهلي لطه حسين، حيث يقول: "يدل القرآن على أن الثورة التي جاء بها الإسلام لم تكن ثورة دين ليس إلاّ وإنما كانت ثورة دين وسياسة واقتصاد" ويعرض عبدالوهاب للعلاقة الوظيفية والمنفعة التي كانت قائمة بين تجار قريش وعبادة الأوثان بالإشارة لما كانت تمثله من مناسبة لتنشيط تجاراتهم وترويج بضائعهم، ناهيك عن دور تلك العبادات غير المباشر في تثبيت سطوتهم وحفظ مكانتهم إذ سرعان ما أدرك التجار الخطر الإسلامي الذي يهددهم ويعارض مصالحهم.
وعليه، يعتبر أن ثورة التصوف تعدّ من صلب ثورة الإسلام ومثلما حاربت القريشية الإسلام في البداية، خوفاً من بعده الاجتماعي (وهو البعد الأهم)، حاربت السلطة الأموية ومن بعدها العباسية الحركات الصوفية خشية من البعد السالف الذكر، خاصة وأن الحرية كانت ولا تزال غاية الغايات عند المتصوفة على الإطلاق والمنحى الذي كان يناوئ مشروع السلطة بمشروع سلطوي آخر.
لقد كانت السلطة تحارب المتصوفة في أغلب الحالات وتضطهدهم بإيعاز ودفع من الفقهاء لعديد من الأسباب التي كانت تخلف بين الطرفين، الفقه والتصوف في مقابل الغاية والوسيلة، ومن الطبيعي أن يمسي عدو عدوي صديقي في المعادلة الثلاثية ما بين الأطراف الثلاثة (السلطة، الفقهاء والمتصوفة) وعليه اشتد عود التحالف بين السلطة السياسية والسلطة الدينية بحثاً للأولى عن اكتساب صفات لها طابع القداسة والسمو والتعالي فتنال منها التبرير والتأييد والبركة في مقابل أن تحصل الأخيرة على الدعم والتكريس الرسمي ما خلق في بعض الحالات اختلالاً في معادلة التوازن بين المرجعيتين وأنتج خطورة بالغة من تحويل الدين الى ألعوبة بحسب الرغبات والنزوات الشخصية للحاكم أو الفقيه، الأمر الذي أنتج ما يسميه الكاتب "الإتجاه التوفيقي" من أجل تكييف مبادئ الشريعة الإسلامية مع ما يتعلق بشؤون الحكم حتى تنسجم مع الواقع السياسي المعاش وظروف الواقع. وقد أدى هذا الأمر الى تفريغ الخلافة من محتواها الديني بحجة جملة من العناوين كوحدة الدولة والمصلحة العامة والخوف من الفتن...
لكن التصوف لم يسلك سلوكاً تابعاً لسلطة الدين الرسمية، بل كان محاولة تجديد ومناهضة للتبعية الدينية والسياسية في وقت واحد، وفي أبعد تقدير كبديل وظيفي للديانة التقليدية في مقابل التزمّت الفقهي والالتزام الحرفي بظاهر النصوص، لقد ظهر التصوف في ظل تلك الأجواء كاتجاه مخالف لما هو سائد في بيئة الفقهاء، ينكر من خلاله كل الحقول المتبعة للاتصال بالله من خلال "وسيط" لأن المتصوف بنظره يتذاهن مع الله مباشرة ولا يريد الوصول إليه عبر الواسطة.
لقد شعر المتصوفة بغربة الإسلام باكراً على عكس معظم الفقهاء ممن مضوا في ركاب السلطة ولولا ذلك لكانت الحضارة الإسلامية قد تجاوزت إنجازاتها الحضارية الحالية بعشرات المرات، خصوصاً لو كانت تحتكم منذ بداياتها الى تجربة صوفية تفضي الى العديد من الحلول للأزمات السياسية (يرى عبدالوهاب أن في التصوف ما يقرّب ما بين الإسلام والليبرالية) وإلى رسم صورة جديدة للإسلام.

[ الكتاب: ولاة وأولياء والمتصوفة في إسلام العصر الوسيط
[ الكاتب: الدكتور محمد حلمي عبدالوهاب
[ الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر 2009

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق