الخميس، 16 فبراير 2012


هل تنجح إيران في احتواء الحرب بالاقتصاد؟

عماد الشدياق (*)
تستشعر ايران الخطر الأميركي الناتج عن الأشهر الأخيرة المتبقية لإدارة جورج بوش في سدة الرئاسة، حيال مشروعها النووي وبالتالي حيال محاولاتها لفرض النفس كشريك فاعل ومؤثر في منطقة الشرق الأوسط، ونتيجة لذلك تحاول التخلي عن الحراك السياسي القائم على نظريات القوة المطعمة بالشعارات الحربية والإلغائية، الى مرحلة العمل السياسي القائم على نظريات الاندماج التي تعترف ضمناً بصراعات الأمم وتعمل على تسطيحه وتذليله من خلال التعاون الاقتصادي والمصالح المشتركة لتذوب عند عنوان "ضرر الجار يؤذي الدار".
وتتخذ الجمهورية الاسلامية الايرانية حيال هذا الواقع الجديد جملة من التدابير المتنوعة ما بين الاقتصادي والسياسي والانمائي وحتى الأمني لحماية نفسها وبالتالي برنامجها النووي من اي تهديد قد يصيبه في المستقبل على ايدي الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الاميركية المتكافلة والمتضامنة في ذلك مع اسرائيل، اذ اطلقت لهذه الغاية مبادرة حيكت خلف الكواليس مع عدد من الدول المجاورة لها على خلفية سلة من المصالح المشتركة، يتم كشف النقاب عنها تدريجيا من خلال محاولة طرح مفهوم الكونسورتيوم الدولي المزعوم للاشراف على عمليات التخصيب على التراب الايراني كمدخل لحل الأزمة القائمة. من جهة أخرى تواظب الجمهورية الاسلامية على توطيد علاقاتها مع دول الجوار الفاعل كروسيا الاتحادية والهند وباكستان دون استبعاد الصين في مشاريع واتفاقات اقتصادية اقليمية تمكنها في نهاية المطاف دخول "منظمة شانغهاي للتعاون" من بابها العريض توسلا لعناوين حاجة هذه الدول الى النفط والغاز الخام، وقد أعلن مؤخراً عن جزء من هذه التدابير والاتفاقات عبر اقنية دبلوماسية بالتزامن مع جولة الرئيس نجاد للدول الاسيوية في الشهرين الماضيين، بهدف ترتيب اوراق المفكرة الايرانية المستقبلية.
أولى اوراقها كان الالتزام بمشروع مد انابيب الغاز الممتدة بطول 2600 كلم بين ايران وباكستان وروسيا لسد حاجاتهم المتنامية، اضافة الى الوعود التي قطعها الرئيس نجاد لباكستان من أجل تمويل انشاء معمل الطاقة الكهربائية ذات القوة 1100 ميغاوات، بل اكثر، اذ التزمت ايران مساعدة سريلانكا في تعزيز بناها التحتية في مشاريع انمائية بقيمة 1.5 مليار دولار من ضمنهم 450 مليون دولار مخصصة لانشاء مشروع "اوماهويا ـ هيدرو" للطاقة، المتوقع ان ينتج حوالي 100 ميغاوات، بالتزامن مع الوعد الايراني المقطوع للقوات السريلانكية عبر تسليحها بمعدات من الصين وباكستان. هذا وقد وقعت ايضا على اتفاق يجمعها مع الهند لبناء خط سكة حديد يربط بينهما وبين روسيا الاتحادية لتعزيز عمليات الاستيراد والتصدير فيما بينهم. أما في المجال الأمني المشترك لم تغفل ايران اهمية التواصل مع الجيران الأتراك والعرب (المملكة العربية السعودية على وجه التحديد)، ما قد ترجم بجولات متتالية من اللقاءات كان آخرها لقاد وزيري الداخلية الايراني والسعودي في 30 نيسان الذي توج بالاتفاق على تفعيل معاهدة 2001 المشتركة بين الطرفين في مجال الأمن الاقليمي المشترك، اضافة الى ما قد اعلن موخراً عن مثلث التنسيق الأمني بين تركيا وايران والسعودية، ومروراً بمحاولات التلاقي المستمرة مع مجلس التعاون الخليجي للمضي في رسم حدود المنطقة التجارية الحرة في الخليج، كانطلاقة ملحة نحو التعاون الاقليمي في مجالات الطاقة النووية.
لهذا تسعى الجمهورية الاسلامية للسير قدماً في حياكة سجادة المصالح التي تجمعها مع دول المحيط الفاعل في آسيا لتكون خير واق لها من لسعات الصقيع التي قد تطال اقدامها في نهايات الصيف الآتي بالتزامن مع نهاية الولاية البوشية.
بالمحصلة النهائية، كل هذه المؤشرات تحفز اصحاب القرار الفارسي تظهير صورة هذا الموزاييك الاقتصادي ـ الأمني الملتقط بالمجهر الايراني والمتحمس بالوقت ذاته لحجم الحرارة المحيطة بكواليس الاستديو الدولي!! قد تكون ايران استدركت عن اقتناع ان الطريقة المثلى لمواجهة الأعمال العسكرية المفترضة ـ بغض النظر عن أحقيتها او لا ـ لن تقوم الا بالعمل الدؤوب والمبني على أساس سلمي مشترك وقائم على التعاون والتنمية في كافة المجالات خاصة في المجال الاقتصادي، لانها تدرك حجم الضرر الذي قد يصيبها، ناهيك عن المصائب التي قد تلحق بالعالم وبالدول الصناعية المفتقرة للمواد النفطية بفعل اي عمل اميركي او اسرائيلي متهور، لذلك تراها تواظب على تلقف عامل (الانتشار) (Ramification) الايجابي الذي ترتكز عليه نظرية الاندماج، من خلال البحث عن نقاط التلاقي والتعاون بعيداً عن الخلافات ـ ان وجدت ـ والتي قد تذوب من خلال شبك المصالح وربط المصائر الاقتصادية ضمن منظومة اقليمية موحدة.
الا ان هذا التكتيك قد يكون متعثراً اذا لم يترافق مع التركيز داخليا، كون الجهد السياسي المنصب على السياسات الخارجية افرط في اهمال المطالب الشعبية المتنامية اطرادا، ناهيك عن الاستنزاف الاقتصادي المتأتي من العقوبات الصادرة عن قرارات مجلس الأمن والمرجح ان يستمر وتتفاقم اذا لم تستجب ايران لدعوات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
فهل تنجح ايران احتواء الحرب بالاقتصاد؟
(*) باحث في مجال العلاقات الدولية


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق