الخميس، 16 فبراير 2012


الحرب الاستباقية كمفهوم أميركي جديد للردع

[ الكتاب: استراتيجية الردع / العقيدة العسكرية الأميركية الجديدة
[الكاتب: الدكتورة سوسن العساف
[الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت 2008

لم يشكل أفول الثنائية القطبية في مطلع التسعينات وانتصار المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية مناسبة لوقف سياسة الردع في العالم، حيث ان انعدام التماثل في القدرة والقوة لم يبشرا بنهاية الردع، الذي بقي خير تمثيل عن العلاقة التفاعلية بين الأطراف المتصارعة (الدول غالباً) ولو اختلفت الأدوات.
وبناء على المعطيات السالفة الذكر تنطلق الباحثة من فرضية رئيسة في كتابها مفادها التأكيد على دوام الردع كاستراتيجية تمارس وجودها في العلاقات الدولية ولكن بصور مختلفة عما كانت عليه ابان الحرب الباردة، إذ انها باتت تجمع نحو إلغاء وتضييق الحدود الفاصلة ما بين الدفاع والهجوم في المفاهيم العسكرية التقليدية.
وتمهيداً لإثبات صحة افتراضها، تحصي المظاهر الرئيسة للردع بأربع وهي الردع بالعقاب، الحرمان، المكافأة وأخيراً الردع بالتطمين، حيث لا ترى مفراً من التفرقة بين الأزمة والردع الموجود حكماً في صلب الأزمة وأحد مكوناتها، أما الحرب فتبدأ عند عتبة الفشل في ايصال الردع الذي يعتمد على التأثيرات النفسية بشكل رئيسي على عكس الإرهاب الذي يلجأ إلى استعمال العنف والقوة مباشرة ومن دون أي انذار مسبق.
في هذا السياق تحدد الباحثة شروط الردع وأشكاله ومستوياته وتلخصها بالقدرات التي تتمتع بها الجهة الرادعة، والمصداقية (وهي البُعد السيكولوجي لإستراتيجية الردع) التي تهدف إلى إيصال رسالة أو قناعة إلى الخصم توقنه باستعمال القوة تجاهه ما لم يستجب للردع، فالرادع يمتلك كلاً من القدرة والإرادة لتنفيذ تهديده ووعيده تجاه أخصامه. والعقلانية، أو التفكير غير الجنوني لحل الصراعات والنزاعات التزاماً بالمعايير الأخلاقية والمعنوية لحل المشاكل التي تواجه الدول.
أما المعلوماتية التي تُحسب من ضمن الشروط الأساسية في نجاح ومضاعفة الفعالية في السياسات الردعية (السرية ليست شرطاً دائماً للنجاح، فيضطر الرادع إلى تسريب بعض المعلومات لنجاح تأثيره النفسي). وأخيراً خبرة الرادع المتعلقة مباشرة بصانع القرار لدى الدول وخلفياته الفكرية وسلوكياتهم ومدى ادراكه لمستوى الخطر القائم بالتزامن مع حجم القدرات الذاتية والامكانات والظروف الدولية المرافقة للعملية كلها..
يتأثر مفهوم الردع بالمتغيرات التي تصيب النظام الدولي الذي يرضخ للانعكاسات والتفاعلات السياسية المغذية له والتي تحدد بالمبدأ صورته النهائية وشكله الذي يطل به على العالم (احادي، ثنائي أو تعددي..) ومن أهم المتغيرات التي أصابت النظام الدولي في القرن الماضي وأكثرها تأثيراً كان التحول في صيغته من الثنائية إلى الاحادية التي أدت إلى بناء استراتيجية لقائد العالم (الولايات المتحدة الأميركية) في ظل غياب مهدده الأول، بالتزامن مع ما سبق تلك الحقبة من امتلاك الدول للسلاح النووي تباعاً، أضف إلى هذا كله الثورة التكنولوجية التي حملت الولايات المتحدة إلى الصدارة في مجال رسم أهدافها الاستراتيجية بعد أن كانت تُختصر ابان الحرب الباردة بالحصر والاحتواء، الرد الشامل والمرن أو التدريجي، الحروب المحدودة، والدفاع الاستراتيجي أو ما عُرف حينها بحرب النجوم.. وبالتالي تحوّل من الردع التقليدي إلى استراتيجية الحروب الوقائية والاستباقية سعياً لمعالجة نيات العدو (؟؟) حتى قبل بروزها، خصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001.
وقد برزت مفاعيل تلك المعطيات الجديدة خصوصاً بعد انهيار مفهوم الأمن القومي القائم على الردع النووي والصاروخي، نسبة للخسائر الفادحة التي منيت بها على أيدي قلة قليلة من الأفراد (شبكة القاعدة التي استهدفت مركز التجارة العالمي ووزارة الدفاع) بالتزامن مع اضمحلال اسطورة أجهزة السلطة الفدرالية وأجهزة المخابرات التي أخفقت في تحديد منفذي اعتداءات 11 أيلول أو حتى منعتهم من ارتكابها، فوجدت الولايات المتحدة الاميركية من تلك الأحداث دافعاً محفزاً لاستكمال سياستها الكونية الرامية للسيطرة على العالم، وسلكت لذلك منحى استراتيجي جديد يسعى للإبقاء على التحكم بالنظام الدولي بشكل احادي وفقاً لأربع اتجاهات تعتمد بالمبدأ على تأمين الحلفاء والأصدقاء، وإيقاف احتمالات الصراع العسكري عبر سيطرتها على العالم بالمنظور البعيد من خلال ردع التهديدات والأفعال الإكراهية ضد مصالحها، واستخدام القوة ان فشلت القدرة الردعية ودعت الحاجة إلى ذلك، وتترجم تلك الاتجاهات من خلال الجهوزية الكاملة على خوض أكثر من حرب اقليمية مع بذل أقصى الجهود في سبيل منع انتشار أسلحة الدمار الشامل بالتزامن مع عرقلة أية محاولة تنامي لأي قوة اقليمية يرجح تمكنها من استهداف أمن الولايات المتحدة ومصالحها في العالم من خلال الاستجابة للأزمات الواسعة النطاق عالميا وإعادة تركيز القوات والقواعد الاميركية وتحديث منظوماتها التسلحية. وتستنتج الباحثة من ما أسلفنا ذكره بأن استخدام القوة العسكرية من قبل الولايات المتحدة سيبقى مناسبة متكررة في منطقة الشرق الأوسط، وتستدرك عن نظرية الحتمية التاريخية فيما يختص بصعود وهبوط الامبراطوريات تاريخياً، بأن الولايات المتحدة توجت نفسها أصلاً قوة عظمى منذ 70 عاماً وهي الآن في مرحلة الشباب والعنفوان نسبة لعمرها الحالي، إذ أنها تحتاح لأكثر من 130 سنة حتى تصل لمرحلة الشيخوخة، متلمسة صحة ما تقول من المؤشر العسكري الذي يشير إلى الانفاق المطرد المتبنى في ميزانيتها، إضافة إلى الناتج القومي الاجمالي الذي يرتفع أكثر من واحد تريليون دولار كل سنة، ناهيك عما تنفقه من ميزانياتها على البحث العلمي (8.2%) من ناتجها القومي وهو أكبر معدل في العالم. فهل لها بعد كل تلك المؤشرات أن لا تكون قطب العالم الأوحد؟

مراجعة: عماد الشدياق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق