هل السُنّة حقاً سجينة السلف؟
مراجعة: عماد الشدياق
يتناول العروي اشكالية السنة بصيغة جواب نصوح عن تساؤلات سيدة أجنبية مسلمة (باحثة في علم البحار)، بأسلوب روائي سردي مميز، يجنّب قراءه الملل والغرق بالأسلوب الجاف والمجافي للتشويق، فيكشف مع تعاقب الفصول قدرته على شد القارئ واقحامه في التفكير عميقاً بمطلق اي مصطلح أو مفهوم يمرّ ولو حتى في الحواشي والهوامش، تحت تأثير البساطة في انتقاء المصطلحات من جهة، وعمق وغزارة معانيها من جهة أرخى. فيستهل شرحه للمنهج المتبع في الكتاب عبر رفض نعته بالفيلسوف ولا بالمتكلم بل بالتاريخاني نسبة للتاريخانية (Historicism) بتوصيفها كإحدى المناهج المعاصرة في تفسير الظواهر الانسانية ـ حتى الديانات ـ كالقرآن الكريم وطرق تأويله، وهي من المناهج التي تشدد بالمبدأ على ضرورة ارتهان النص بتاريخه وبالظروف التي عايشت ولادته من انفعالات وعواطف وضغوط على اختلافها وتنوعها. تلك التاريخانية التي اعتنقها رغم انتقادها وتسفيهها أدت به في آخر المطاف الى الاقتناع بأن المحرك الرئيسي للمجتمع لم يكن يوماً الا المنفعة وليس الحق. لقد ثابر على دراسة الفلسفة دون الفصل بينها وبين التاريخ وعلم الكلام، وبالتالي يأخذ على النهج الفلسفي الموروث عند العرب الذي بقي يدور في حلقة مفرغة عنوانها "الجدال والتفنيد دون التثبيت أو التقرير" لأن هذا النهج الفلسفي ما زال أسير الفكر الهليني الممزوج بالكثير من الضبابية ما بين الميثولوجيا والميتافيزيقيا لا بل ما بين الثيولوجيا والعلم الموضوعي. بمقارنة بسيطة بين الفيلسوف والمتكلم يظهر العروي لقرائه المماثلة والتعادل بينهما في المفاهيم والتصورات، فيضيء على الخلفية الفكرية المشوشة لدى الأول، والاستدلالية العمياء لدى الثاني!! فيصبح الفيلسوف متكلم أمته وزمانه والمتكلم فيلسوف جماعته وحقبته لتجمعهما وحدة الدور، لذلك يرى بأن المؤرخ (أو المعلوميات) هي الجهة الصالحة للفصل بين الاثنين بالوثائق والأدلة.
كما يشدد على أهمية الذاكرة كوسيلة او قوة لعكس الزمن واستيعابه وذلك كمدخل لتناول الديانات السماوية منذ المرحلة الابراهيمية بتصويرها كحالة قطع من الزمن، بل بتوصيفها كمنبع أو اس لجميع الرسل الذين أتوا من بعده تدريجياً ليصل الى الدعوة المحمدية التي أتت بالقرآن ذلك الكتاب الاعجازي في نصوصه (كثرة الضمائر، صيغ الأفعال، أسماء الوصل... كلها تقود الى تساؤل وحيد: من المتكلم؟؟) الذي لم يخفِ العروي اعجابه وانشداده له، بل تفضيله على باقي الكتب السماوية الأخرى. فينتقد تأويلات الفرق لنصوص القرآن كل لما ترضى أهواءها لدرجة استعار تلك المفارقة بينهم الى حدود المواجهات الدموية!!.
من خلال النصيحة للسائلة الأجنبية يتوجه للعموم داعياً قرّاء القرآن الى معرفة حقيقة النبي، طريقة عيشه المتواضعة، ومعرفة الأمة العربية المخاطبة بالكتاب الكريم وليس الى معرفة أفكار الأجداد والاسلاف التي أتت مؤولة بالتواتر بشكل مغلوط وبعد مرور قرن على تاريخ جمع القرآن! (يقصد السيرة النبوية المعتمدة اليوم) خاصة وأن الاسلام دعوة اصلاحية أخلاقية تخاطب الجماعة عبر التأثير بالفرد الظلوم الجسور. "وهل يستوي الأعمى والبصير".
يهزأ من ما وصلت اليه الأمور في أهل السنة من تمجيد للجهالة والأمية التي أضحت عندهم صفة حميدة وعنوان للبراءة والايمان الفطري الذي يتوجب الحفاظ عليه عند العموم، بمقابل قلة قليلة تكرس نفسها لتلقف العلم المطلوب والمكتسب بالطرق الشرعية ليس الا، وهي أي تلك العلوم ليست متاحة للجميع بل لعدد محدود من الوعاظ والخطباء، أصحاب الفطنة والعقل وبالتالي أصحاب السطوة المتجددة والمتوارثة لثقافة الاتباع لا الابتداع وليس لثقافة العين واليد التي تقوم على الملاحظة والممارسة، فسيتنتج ان هذا النهج قد شتت العرب وأفقدهم المبادرة التاريخية التي تكونت على يدي النبي خلال عقدين من الزمن "مرحلة النبوة الممتدة لنحو عشرون عام" فقسّمتهم الى ثلاث فرق وهم الخوارج الذي ينادون بحكم الجماعة باسم الله، أصحاب النفوذ والحكم الذين ينادون بحكم الاشراف، والشيعة الذي يوالون حكم أهل البيت. ما أدى الى تراجع العقل مقابل النقل وتعثر الباطن الظاهر!.
وقد توصل العروي في كتابه هذا الى رصد عدد من المفاهيم التي ترسخت في عقلية السنة بالمجال السياسي من خلال التجارب التي عرفتها منطقتهم منذ القدم (التجربة الفرعونية، القيصرية، والكسروية) وهي التي هيأت الأذهان برأيه الاعتناق: عقيدة التوحيد التي باتت مرتبطة بمفهوم الاستبداد (لا مجتمع دون طبقات... هل الكواكب متساوية؟... أوالملائكة سواسية؟..) وبالتالي يضحي مفهوم الديمقراطية مرادف للفوضى، والمساواة فتنة مقنعة. تلك البراءة الملازمة للسنة والمقرونة بالأميّة المطلوبة على الدوام للاستمرار بالرسالة الفطرية ذات العنوان التواضعي الذي يقر دوماً بالعجز والحاجة.
فالسنة تعيش حالة من الحذر والتأهب خوفاً من هجمات الخارج أو حتى مروق الداخل (كل جديد بدعة... كل منكر بدعة) وهي دوماً في حركية مستمرة، لكنه يراها من دون غاية فارغة المحتوى، تتنفس من خلال انعاشها المستمر وابرازاً لبنيانها لا تصحيحها أو تطعيمها فهي تعيش في جوّ الصقل والتنقية لكونها مطاردة ومحاربة باستمرار وهذا ما يبرر تقوقعها وتحصّنها دون غاية كما يستنتج.
فالمذهب السني يواجه مفارقة الزمن والأحداث، لذا بات يعمل آلياً على طمسها ودفنها، فيغرق أهله أكثر فأكثر في تأثيراتها وردود أفعالها (الفتنة الكبرى، الثورة العباسية، تفكك الخلافة، الهجمات الصليبية، الغزو العثماني، الاستعمار الغربي، الاستيطان الصهيوني...).
لكل هذه الأسباب لا يرى الكاتب مفراً من الاصلاح، وهذا الاصلاح برأيه لا يتم الا على يد البحث العلمي والمنطق السياسي، المرادف للعملانية أو الحياد المنشود الذي يفصل بين الأمور الدنيوية والآخروية (المعاملة مقابل العبادات) الا ان السنة ترى بهذا الخيار استسلاماً وتراجعاً ويراها الباحثون إحياءً حقيقياً وتجديداً.
[ الكتاب: السنّة والاصلاح
[ الكاتب: عبدالله العروي
[ الناشر: المركز الثقافي العربي، بيروت 2008
[ الكاتب: عبدالله العروي
[ الناشر: المركز الثقافي العربي، بيروت 2008
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق