الخميس، 16 فبراير 2012


تنامي الدور التركي في الشرق الأوسط

عماد الشدياق
لعل المطلع على شؤون العلاقات الدولية يلاحظ الاهتمام التركي الذي ألم بمنطقة الشرق الاوسط في العقد الاخير، وتحديداً بعد ان تسلم حزب العدالة والتنمية الاسلامي الحكم في المؤسسات الدستورية الثلاث، وخاصة حينما استشعرت التململ الذي أصاب بعض الدول الاوروبية وترددها بالموافقة على ضم تركيا الى منظومة الاتحاد الاوروبي عبر التعجيز تارة ورفع سقف المطالب والحجج طوراً.
وبالرغم من أن تركيا تعتبر حليفاً استراتيجياً للغرب، يستعصي على اي مراقب عدم ملاحظة التبدل الذي أصاب المنطقة الشرق ـ أوسطية الذي فرض على شاغليها قائمة من الاولويات والمتغيرات في السياسة الخارجية. حيث كان الوجود التركي في المنطقة يستمد ركائز حضوره الدولي والاقليمي من علاقاته الوثيقة مع القوى الدولية الفاعلة خارج فضائه الجيوسياسي والجيواستراتيجي والحضاري. من جملة تلك المتغيرات، الاحتلال الاميركي للعراق في العام 2003 وما نتج عنه من توترات بين تركيا والولايات المتحدة، كذا التردد في قبول عضويتها في الاتحاد الاوروبي، إضافة الى تنامي النفوذ الايراني شرق أوسطياً وخاصة في سوريا، العراق، لبنان والاراضي الفلسطينية المحتلة (قطاع غزة) ما دفع بالجانب التركي الى إعادة دراسة سلم اولوياته الخارجية.
كما وان الجفاء الذي ساد بين تركيا والدول العربية من جهة أخرى، يعود تاريخياً الى العديد من المواقف التي اتخذتها الحكومات التركية المتعاقبة، ما زاد من حجم الهوّة الفاصلة بين المجتمعات العربية ونظيرتها التركية التي توجهت نحو الغرب المتقدم على أيدي الحركة الاتاتوركية بعد إلغاء المظاهر الاسلامية والعربية (كمنع الآذان واستبدال الحروب العربية باللاتينية)، أضف الى ذلك النزاعات الحدودية التي سلكت طريقها مع دول الجوار بعد تقسيم تركة الرجل المريض، بالاشارة الى لواء اسكندرون مع سوريا ولواء الموصل مع العراق، ناهيك عن التحالفات التركية مع الغرب التي هدفت الى وقف المد القومي العربي في مرحلة الخمسينيات وما تلاها، بمقابل دعم عربي كيدي لحركة العمال الكردستانية المعارضة في تركيا التي وصل في أوجها الى شفير المواجهة المباشرة مع سوريا في خريف العام 1998 بسبب إيواء المعارضين ودعمهم (عبدالله أوجلان ومناصريه).
ومن الاسباب المباشرة التي دفعت بالدول العربية الى حدود المقاطعة لتركيا فيما مضى، كانت علاقاتها المناوئة للموقف القومي العربي الرافض الاعتراف باسرائيل وإقامة العلاقات معها، بحيث ان تركيا كانت أول دولة اسلامية اعترفت بالدولة الاسرائيلية في العام 1948، باستعمالها لهذه الورقة كمطية لتأكيد الانسلاخ عن المحيط العربي والاسلامي والتي أسست لاحقاً الى تحالف عسكري ـ استراتيجي بين الطرفين، والذي ذخّر الجانب التركي بالمعدات العسكرية والوسائط التجسسية لمواجهة المعارضين ولتحديث قدراتها القتالية.
فبالاشارة الى الاسباب الآنفة الذكر، وبغض النظر عن دخول تركيا الى الاتحاد الاوروبي أم لا، خلق وصول الاسلام السياسي المتحضر الى سدة الحكم جو تبادلي في الاولويات التركية التي رسمت لنفسها ذاك الدور المحوري والاقليمي الفعال في منطقة الشرق الاوسط بمعزل عن أي وسيط أو رافعة، معتمدة في ذلك على مبدأي "التوازن والاعتدال" بحيث أقحمت تركيا نفسها في مجمل قضايا الشرق الاوسط والعالم العربي من خلال عمليات الوساطة في تسوية النزاعات والخلافات، ان كان برعايتها للمفاوضات الدائرة بين سوريا واسرائيل (بمراحلها الغير مباشرة والمباشرة) أو عبر إظهار استعداداتها لتبني وساطات مماثلة بين اسرائيل وكل من بيروت وفلسطين المحتلة، وكذلك تطوعها بالدخول على خط التهدئة والوساطة بين الغرب وايران لحل المسألة النووية الايرانية.
وقد عادت بجدية الى الساحة الافريقية حيث استضافت في الصيف الماضي أول قمة تركية ـ افريقية ضمت 53 رئيساً للدول والحكومات، بمشاركة أمين عام جامعة الدول العربية لمناقشة سبل تعزيز الشراكة والتعاون بين الطرفين في مختلف المجالات، محاولة في ذلك أيضاً حشد الدعم الافريقي لترشحها عن المقعد غير الدائم في مجلس الامن لعامي 2009 ـ 2010.
في السياق نفسه لم تتأخر تركيا بالانفتاح على دول مجلس التعاون الخليجي من خلال مذكرة التفاهم التي وقعتها في أواخر العام الماضي، تمهيداً لعلاقات استراتيجية وثيقة تجمعها بالاطراف الخليجية على كافة الاصعدة لتؤطر لاحقاً بشراكة تجارية متينة.
كما ولم تنس تركيا القضية العربية المركزية، إذ اندفعت مؤخراً لوقف النزيف الفلسطيني في غزة مستغلة في ذلك علاقاتها المشتركة مع العرب واسرائيل، حيث أبدى أردوغان منذ الايام الاولى للعدوان، استعداده لنشر مراقبين أتراك على معبر رفح (يبدو ان هذا الاقتراح يستعد ليوضع موضع التنفيذ بعد وقف اطلاق النار بين الطرفين) ولم يتوان عن توجيه الانتقادات الى الحكومة الاسرائيلية، وقد تم تسيير المظاهرات احتجاجاً على ما يرتكب مع مجازر بحق الشعب الفلسطيني (التظاهرة المليونية لحزبي السعادة والعدالة والتنمية الاسلاميين).
هذا التنامي المتصاعد للدور التركي في منطقة الشرق الاوسط، بمقابل الضعف والتردي للمنظومة العربية، وبالتوازي مع الفشل الاسرائيلي الذريع في اقتباس دور الحارس للمصالح الغربية في المنطقة، وبوجود المد الفارسي الذي يهدد الشرق الاوسط بالحديد والنار! يستجد النموذج التركي، الديموقراطي، المعتدل ليوازن في معطيات المعادلة الشرق أوسطية ويطرح نفسه كبديل سلمي الطابع عن لمشاريع الممانعات المشبوهة كالتي تُطرَب لسماعها يومياً!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق