الخميس، 16 فبراير 2012


لبنان وسوريا .. تبادل التمثيل الديبلوماسي والمجلس الأعلى هل من تناقض؟

عماد الشدياق
من حيث المبدأ، تنقسم أجهزة العلاقات الدولية والديبلوماسية لدى الدولة الى جهازين، داخلي ـ مركزي يشمل رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية، بالإضافة الى بعض الوزراء وأفراد الندوات البرلمانية الذين دخلوا حديثاً هذا المعترك بفضل تطوّر العمل الديبلوماسي ونمو العلاقات بين الدول باطراد بفعل العولمة. وخارجي ـ لامركزي يضم أعضاء السلك الديبلوماسي والقنصلي. وتشكل اتفاقية فيينا للعام 1961 المدونة الحقيقية لتلك العلاقات، والمصدر الأول والأساسي للقانون الديبلوماسي الذي يرعى هذا النوع من العمل التبادلي الدائم والقائم على تنمية العلاقات الودية والسلمية بين الدول من خلال ما أسندت الى مبعوثيهم من مهام يقومون بها باعتبارهم أداة اتصال مباشر بين دولهم والدول المضيفة والتي تتلخّص بخمسة مهام رئيسية تترجح ما بين التمثيل السياسي، الحماية، التفاوض، تعزيز العلاقات وإنمائها في المجالات الاقتصادية والثقافية والعلمية، إضافة الى مهمة الاستطلاع وتقديم التقارير، وهي المهمة الهاجس لدى البعض خوفاً من أن تتحول مقار البعثات الى مفرزات مخابرات وأقبية للتجسس وحياكة المؤامرات كما هي الحال لدى بعض العامة والنخب في لبنان من الذين يتوجسون شراً لقيام التبادل الديبلوماسي الدائم بين لبنان وسوريا. علماً أن هذا المطلب إن تحقق، يستحق ان يفوز بلقب الوصيف الأول الذي يلي عيد الاستقلال لأهميته السيادية، ولما يعكس من طمأنينة معنوية ونفسية على مسلكية التواصل بين الطرفين لدى الجهات الرسمية والشعبية بحيث أنه سيشكل قاعدة حتمية للبدء بصفحة جديدة في التاريخ المشترك بين الجارين قائمة على الندية والاعتراف بالسيادة والاستقلال.
وقد استدركت الجمعية العامة الراعية لاتفاقية فيينا هول الضغوط والتماديات التي قد تتعرّض لها الدول الضعيفة والصغيرة من الدول الكبرى، ولهذا أكدت على تمتع المبعوثين الدبلوماسيين بالحصانات والامتيازات لضمان سير العمل الدبلوماسي، كما انها اكدت على الواجبات الملزمة للبعثات الدبلوماسية وأفرادها تجاه الدولة المعتمدين لديها ان كان لجهة احترامهم لقوانينها وأنظمتها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والابتعاد عن اي تصرف او تصريح يسيء الى سيادتها وكرامتها واثارة الفتن والاضطرابات فيها، كما حصرت مرجعية البعثات المباشرة لأعمالها بوزارة خارجية الدولة المضيفة، واقصت افراد البعثات عن ممارسة اي نشاط تجاري او مهني يعني بمصالحهم الشخصية.
اضافة الى انها حصنت الدول من خلال تكريس حقها في "الاستمزاج" لجهة اختيار افراد البعثات الدبلوماسية، ومنحها احقية اعتبار اي شخص من طاقم البعثة "شخص غير مرغوب فيه"، عند اي تماد او تجاوز.
من جهة أخرى، وبالعودة الى لبنان تختلط الأمور لدى العامة حول ملف العلاقات الدبلوماسية بيننا وبين سوريا لجهة ما يشاع عن الثنائية في التمثيل بين العلاقات الدبلوماسية الكلاسيكية المفترض تفعيلها والعمل بها عند مطلع السنة المقبلة كما هو مقرر، وبين المجلس الأعلى اللبناني ـ السوري الذي ابصر النور على خلفية معاهدة "الأخوة والتعاون والتنسيق" التي انشأت بدورها هيئات وأجهزة اخرى كهيئة المتابعة والتنسيق واللجان المشتركة الوزارية والفرعية المتخصصة.. والأمانة العامة المختصة بمتابعة وتنفيذ ما انبثق عنها من اتفاقات وهي حوالي 40 اتفاقية ومذكرة تفاهم تتعلق بالصناعة والزراعة والتجارة، اضافة الى الشؤون العدلية، السياسية، الأمنية والجمركية، التي تدخل في صلب العمل الدبلوماسي وتتقاطع مهماتها وصلاحياتها مع السفارة المزمع انشاؤها!
ويتألف المجلس الأعلى من الرؤساء الثلاثة في البلدين (رئيس الدولة، رئيس السلطة التنفيذية والتشريعية) الذي يضع السياسة العامة للتنسيق والتعاون في كافة المجالات، وتكتسب قراراته الصفة التنفيذية بمجرد صدورها وفقاً للنظم والأصول الدستورية في كلا البلدين، وقد فوض المجلس لهذه الغاية الأمانة العامة باعداد الدراسات والتقارير وتحضير جدول أعمال الاجتماعات وتلقي المذكرات والقيام بمهام امانة السر لأجهزة المعاهدة، حيث يرأسها الأمين العام ويكون مسؤولا امام المجلس عن حسن قيام اجهزتها بالمهام المحددة لها. فيكون الأمين العام بمثابة ممثل للدولتين لدى الدولتين، ولا يتمتع بأي نوع من الحصانات أو الامتيازات، وليس ملزماً بأية واجبات تجاه الطرفين لكون المعاهدة التي أوجدت المركز الموكل اليه لم تتطرق الى هذا النوع من الامتيازات بحكم "وحدة الحال" التي فرضها الوصي السوري، وأرست نوعاً من الازدواجية في التمثيل والمرجعية.
فلهذه الأسباب ولغيرها، اسلفت بعض الأصوات تطالب بإلغاء المجلس الأعلى المذكور كون العلاقات الديبلوماسية بشكلها الكلاسيكي في طور التكوين، إلا ان آلية إلغائه لن تكون بتلك السهولة المتوقعة عند بعضهم ما لم تتوفر القرائن التي يحددها ويقننها القانون الدولي العام المخول تفسير وتأويل اتفاقيات العلاقات الدولية والديبلوماسية.
بالتالي لا بد من التذكر مبدئياً، ان عملية الإلغاء أن أتت برضى الطرفين، فلا خلاف يذكر على هذا الصعيد استناداً الى أبسط المبادىء القانونية العامة: العقد شريعة المتعاقدين والتزام المتعاقد بما تعاقد عليه.
أما إذا امتنع أحد الطرفين عن الإلغاء، فيعود الحكم بذلك الى الشروط التي يحددها قانون المعاهدات الصادر في فيينا عام 1969، الذي يشير في مادته الـ60 الى كيفية انقضاء المعاهدات أو ايقاف العمل بها، ويدرجها تحت شرط "الاخلال الجوهري" بمضامين المعاهدات الذي يخول الطرف الآخر ايقاف العمل بها كلياً أو جزئياً. علماً ان المادة 74 تشدد على ان سريان المعاهدة لا يؤثر في ذاته على وضع العلاقات الديبلوماسية والقنصلية بين الدول المعنية، كما لا يحول قطع أو عدم وجود علاقات ديبلوماسية أو قنصلية بين "المتعاهدين"، دون سريان المعاهدة!
فهل إلغاء معاهدة الاخوة والتنسيق والتعاون أمر وارد؟
عملياً، يعتبر مطلب الإلغاء غير مجد ان لم يقترن بذاك الإخلال الجوهري الذي يهدد استمرارية المعاهدة تمهيداً للمطالبة بايقاف العمل بها أو لتعليقها، اضافة الى ان الاعتراض تحكمه آلية قانونية. تبدأ بإخطار الطرف الآخر بموجب مهلة زمنية محددة, وتنتهي في مراحلها المتقدمة عند إجراءات "التسوية القضائية والتحكيم والتوفيق". هذا مع العلم ان أعضاء المجلس المذكور هم بحكم الأنظمة الدستورية والدولية السائدة، جزء من أجهز العمل الديبلوماسي الداخلية، ولا يمكن الاستناد الى قيام التمثيل الديبلوماسي الكلاسيكي (على مستوى سفارة) كحجة للمطالبة بإلغاء المجلس الأعلى برمته لسبب بسيط مفاده ان الكثير من العلاقات بين الدول تمارس غالباً "ديبلوماسية القمم والمجالس" لتسيير شؤونها وحماية مصالحها (مجلس التعاون الخليجي، ديبلوماسية القمم العربية..) بل مطلب الإلغاء هذا يبدو سخيفاً في ظل ما يعترضه من عقبات قانونية، خارجية أتينا على ذكرها آنفاً، وداخلية لكون هذا القرار يتطلب أكثرية الثلثين في مجلس الوزراء استناداً الى المادة 65 من الدستور التي تذكر بالمواضيع الأساسية التي تحتاج الى أغلبية ثلثي عدد أعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها، وهذا ما لن يتحقق في ظل الحكومة التي أفرزها اتفاق الدوحة بصيغتها الحالية!
فلشبه استحالة إلغاء المجلس الأعلى واستناداً الى بعض التجارب المماثلة، يؤكد المطلعون في شؤون العلاقات الدولية ان دينامية السفارات ستتغلب على بيرقراطية وشيخوخة الأمانة العامة لكون الديبلوماسية تتطلب عملاً دؤوباً ومستقلاً ويومياً بل مختلفاً كلياً عن ذكريات الوصاية الإملائية خاصة في ظل الجو العربي والدولي السائد حالياً الذي يؤكد على ضرورة احترام استقلال وسيادة لبنان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق