الشركات المتعددة الجنسيات أو الدول بلا أقاليم
عماد الشدياق
لم يعد مصطلح العلاقات الدولية يحاكي الواقع الذي نعيشه مع زيادة عدد اللاعبين الدوليين ومنافستهم للدولة القومية، بحيث ان المنظمات الحكومية وغير الحكومية (SOGN) والأفراد والشركات عبر الوطنية باتوا يؤثرون في مسار ومصير العلاقات الدولية مثلهم مثل الدول لا بل أكثر.
وقد برز نشاط الشركات الكبرى منذ عصر الاستعمار، وتدرجت ملكيتها تباعاً من الأفراد المحليين المدعومين من حكوماتهم الى أفراد متعددي الجنسيات، فأطلق عليها اسم الشركات المتعددة الجنسيات التي اتفقت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة على تسميتها عبر وطنية )snoitaroproC lanoitansnarT( بدلاً من متعددة الجنسيات (snoitaroproC laoitanitluM) لعدم انحصار نشاطاتها بالدولة الام فقط، بل لانتشارها الى كامل المعمورة بحثاً عن مكاسب تطمح في تحقيقها. وتتميز هذه الشركات بضخامة حجمها لكونها تمثل كيانات اقتصادية عملاقة تمتلك رؤوس أموال هائلة توظفها في نشاطات واستثمارات متنوعة في أكبر بقعة جغرافية ممكنة، بهدف ضبط هوامش الخسارة والحفاظ عليها في أدنى مستوياتها، وتكتنز هذه الشركات قدرات مخيفة تمكنها من تحويل وتفكيك وسائل الانتاج (noitazilacoleD) ولهذا تسعى الى توفير:
أفضل شروط "العرض" من خلال تقليص تكاليف الانتاج تعقباً لليد العاملة الرخيصة، وإلحاق المصانع بمصادر المواد الخام، واستنفاداً للتكولوجيات المتطورة عبر استحداث مراكز الابحاث والتطوير.
أفضل شروط "الطلب" من خلال التفلت من القيود الجمركية وسياسات الحماية عبر إنشاء المصانع عند الدول الحامية لصناعاتها المحلية، بهدف تسويق سلعها مباشرة الى المستهلك ولتكون على مقربة ودراية بأذواقهم المتنوعة ومتطلباتهم.
منذ أواخر القرن الماضي وحتى اليوم، لجأت تلك الشركات الى تدابير جمة مكنتها من إحكام قبضتها على مقدرات العالم دون مبالغة، وبات لها عالمها الخاص من رجال الأعمال والصحف والمجلات والمواقع الالكترونية التي تتبع أخبارها وأسرارها على مدار الساعة، وأضحت أقوى من الدول بحيث انها استطاعت ان تفرض شروطها عليها تحت طائلة الانتقال الى الاستثمار خارجاً، وباتت تتحكم بقوانين العمل وشروط الضمان، ناهيك عن الضرر الذي ألحقته باقتصاديات الدول الضعيفة من جراء تقويض الشركات المحلية وابتلاعها نتيجة خنق المنافسة وتهديد مصادر أرزاق المنتجين الصغار، اضافة الى عمليات الغش التي تلجأ اليها عبر تدوير الارباح ونقلها الى الملاذات الآمنة والبعيدة عن المحاسبة والمساءلة، وهذا ما سبب عجزاً في موازين المدفوعات لدى الدول المضيفة من خلال محاسبتها التي ترمي الى تخفيض الضرائب، نقل الأسعار وتوزيع الأرباح على الفروع. وقد توسعت نشاطاتها اخيراً لتشمل التأثير في السياسة والعمليات الديموقراطية، حيث ساهمت في تمويل الحملات الانتخابية عند الضرورة مقابل وعود تحصل عليها من المرشحين باستصدار قوانين تمكنها من مواصلة سيطرتها على الاسواق وتعزيزها (المركب الصناعي العسكري في الولايات المتحدة الأميركية مثلاً)، دون ان ننسى مساهماتها في تمويل المجموعات المسلحة وعمليات التفجير والاغتيالات (في نيجيريا، السودان، بورما...). بالاضافة الى سطوتها على بعض وسائل الإعلام العالمية التي تستخدمها أحياناً في تسريب الاشاعات والاشاعات المضادة كوسيلة لمحاربة الخصوم والمنافسين.
ومن بين الاجراءات التي اتخذتها الشركات للهيمنة على الاقتصاد العالمي ما يعرف بـ: "توافق واشنطن" أو "stnemeergA snemletneG"، وهي مجموعة من الاتفاقات ابرمت فيما بين الشركات والمؤسسات المالية والدولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) والتي ترمي الى خصخصة العالم بأثره من خلال الإصلاح الضريبي الذي يقترح تخفيض المعدلات الضريبية على المداخيل العالية لتشجيعها على الاستثمار، وتحرير الأسواق المالية ترافقاً مع تفكيك القطاع العام الى حدوده القصوى والتشديد على الشفافية (الملغومة) التي تمنع دعم الدولة للقطاعات الاقتصادية والسلع الغذائية، وحصر نشاطاتها (اي الدولة) في تحديث وتطوير البنى التحتية فقط!.
اتفاقيات الاستثمار المتعددة الأطراف (SMIRT) في اطار منظمة التجارة العالمية التي باتت بمثابة الدستور الاقتصادي العالمي الذي يسعى الى التوحيد التدريجي للأسواق العالمية الذي تكرس مواده خدمة للشركات.
اضافة الى مشروع الاتفاقية المتعددة الأطراف حول الاستثمار )IMA( التي فشل العمل بها حتى الآن ـ لحسن الحظ ـ من جراء ضغوطات المجتمع المدني على المفاوضين واختلافهم فيما بينهم، والتي كانت ستكرس هيمنة الشركات وتبعية الدول بما تحمله من بنود مقهقرة لدور الدولة في حماية مصالحها.
كل هذه المعطيات تدفع بالمؤثرين على الساحة الدولية للتفكير ملياً وبهدوء حول مصير الدولة القومية، بمعانيها الكلاسيكية، وبما قد تؤمنه من وقاية اجتماعية واقتصادية في عالم تسوده الفوضى في ظلّ العولمة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق