اللغة العربية: تطوير وليس حماية
يحتفل العالم العربي في 18 كانون الاول من كل سنة، باليوم
العالمي للغة العربية وهو اليوم نفسه الذي تقرر بموجبه إدخال اللغة العربية ضمن
اللغات الرسمية ولغات العمل في الأمم المتحدة.
الملفت اليوم، كان دعوات الناشطين الفايسبوكيين والأصدقاء
(مشكورين بالمناسبة) الى الحفاظ على اللغة العربية عبر الكف عن استعمال الأحرف
اللاتينية في كتاباتهم هاهنا او على تطبيقات الهواتف الذكية وما شاكل.
الا ان سؤالاً جوهريا يفرض نفسه قبل دعوات الحماية هذه، وبما ان مطلق أي هجوم يقابله دفاعا او طلبا للحماية، فنحن مدعوون الى التساؤل عن ذلك الهجوم الذي تتعرض له اللغة العربية، وما يستدعي بالتالي الدفاع عنها او حمايتها منه.
الا ان سؤالاً جوهريا يفرض نفسه قبل دعوات الحماية هذه، وبما ان مطلق أي هجوم يقابله دفاعا او طلبا للحماية، فنحن مدعوون الى التساؤل عن ذلك الهجوم الذي تتعرض له اللغة العربية، وما يستدعي بالتالي الدفاع عنها او حمايتها منه.
في التعريف، اللغة هي: "مجموعة الألفاظ والقواعد تتعلق
بوظيفة التخاطب والتفاهم بين جماعة من الناس، وهي تعبر عن الفئة الناطقة بها.. عن
نفسيّتها، عقليتها، طباعها ومناخها الإجتماعي والتاريخي".
تعريف آخر وأدقّ يذكر ان اللغة هي: "ظاهرة بسيكولوجيّة
اجتماعية ـ ثقافية، ليست صفة بيولوجية ملازمة للفرد، تتألف من مجموعة رموز صوتيّة،
اكتسبت عن طريق الإختبار، معاني مقررة في الذهن. وبهذا النظام الرمزي الصوتي،
تستطيع جماعة ما ان تتفاهم وتتفاعل". وأضيف ان اللغة هي مجموعة من الرموز
التي تحاكي صوراً ومشاهد في الذهن (decoder)، يقوم بفكها من كلمة ← صورة عند الاستقبال .. ويقوم بتشفيرها من صورة ← كلمة عند الارسال.
في الحقيقة وبالعودة الى الهجوم المفترض، يصح القول ان
اللغة العربية ليست من يتعرض لهذا الهجوم، انما اللغات الأخرى هي التي تحرز تقدمات
ملحوظة وحثيثة على كذا صعيد (الانكليزية تحديدا)، فاللغة كالكائن الحي تنمو وتكبر
.. تتطور وتنضج، الا اللغة العربية بقية جامدة كالحجر، ثابتة وأسيرة الدين الذي
"جاءت به وجاء بها" (نتيجة لرغبات معتنقي هذا الدين وتوصيات كهنتهم)...
جاءت به لكونها تدعى لغة القرآن وجاء بها لكونه (أي القرآن) هو من
"قونن" مرادفاتها لغويا بين صرفٍ ونحوٍ. فاقتصرت مرادفاتها هذه على
ثقافة جاهلية خلت أيامها، وكانت سائدة وقتها قبل الاسلام، ثقافة مصطلحات لا تحاكي
سوى عيشة أهل البادية وساكنيها.. لا ثقافة قرآنية تقدمية استوعبت ما جاء به الدين
لتهضمه وتتبناهن بل قلمت أظافره ودورت زواياه ليتماشى مع مفاهيمها الجاهلية ـ
القبلية.
ليس صحيحا على الاطلاق ان اللغة العربية غنية... قطعاً لا.
اللغة العربية لغة فقيرة يشوبها قصور وعجز يمنعها من مجارات التقدم... ولهذا يلجأ
جمهورها الى لغات العصر الحديث (الانكليزية)، للتثاقف والتفاعل ولفهم وسائل
التكنولوجيا الحديثة بلغتها لا بلغتهم .. لغة الحواسيب والهواتف الذكية.
اللغات غير العربية تكبر، يضاف اليها كل سنة مرادفات جديدة،
تتمدد، وتنتشر تتجذر وتتعمّق... اشك ان تكون اللغة الانكليزية فُرضت على أي منا
بالاكراه او بقوة السلاح، نحن من اختارها لغة رديفة (ان لم نقل بديلة في مجالات
التطور) لاستعمال ادواتها.
فليفتح كل منا معجم اللغة العربية وليبحث عن معنى كلمة:
"صحراء" او "حر" وليرى حجم المرادفات والمشتركات اللفظية
والتشبيهات الجمة التي سيجدها، وفي الوقت نفسه فليبحث عن معنى كلمة ثلج (ذاك الشيء
الذي لا يعرف شكله ولا لونه أهل الصحراء) فلن يجد الا تشابيه لغوية مبهمة وسرد
لغوي لكلمات بلا طعم او لون. هذا ان لم تبحث عن معنة كلمة "كومبيوتر" او
"مايكرو ـ بروساسر"... فلن تعود الا بخفيّ حنين.
الطريف في الموضوع ان طريقة اعتماد مصطلحات جديدة في أي
لغة، تعتمد على الابتكارات الفكرية او الصناعي او الطبية او الرياضة او..او..ألخ،
يسمى هذا الابتكار باسم ما يكون الأصل، يشتق منه فروع .. فتدرج هذه المشتقات
والاسم الأصل بالمعجم. ما حصل مع الغة العربية كان عكس ذلك تماماً: آبان عصر
التدوين، قام الخليل بن أحمد الفراهيدي (الملقب بعبقري اللغة واستاذ سيبويه
والاصمعي وآخرين...) بصناعة قوالب للمصطلحات تجمع كل احتمالات الاحرف (مثال: لمح،
ملح، حلم، لحم) والبحث عن معانٍ لكل منها، وما لم يجد له معنى أهمله... كان يجوب
على البدو والأعراب ليسألهم عن معان لهذه الاحتمالات وكانت شروطه لقبول ما يأتون
به التثبّت من أميّتهم التامة قراءةً وكتابةً... أي ان الجهل كان ميزة وسمة من
سمات واضعي لغتنا العربية (... والنعم !!)
صدقوني اللغة العربية ليست مهددة وليست بحاجة لأي حماية... هاهي لم تتغير منذ اكثر من 1500 سنة ... كانت ولا تزال كما هي. وعليه، دعونا نبحث عن طريقة لتطويرها.. لا لحمايتها لأن حمايتها لن تكون سوى سببا لتحنطها ان لم نقل اندثارها.
صدقوني اللغة العربية ليست مهددة وليست بحاجة لأي حماية... هاهي لم تتغير منذ اكثر من 1500 سنة ... كانت ولا تزال كما هي. وعليه، دعونا نبحث عن طريقة لتطويرها.. لا لحمايتها لأن حمايتها لن تكون سوى سببا لتحنطها ان لم نقل اندثارها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق