ليلة القدر ... فهم خاطىء وممارسة محمودة
يتحرّى أواخر شهر رمضان من كل سنة "ليلة القدر"،
وهي ليلة عظّم الله أمرها وجعل العمل الصالح فيها ذا قدر عنده. ويُقال ان من تحصل
له رؤية شيء من علامات هذه الليلة في اليقظة، فقد حصلت له رؤيتها فعلا! وان علاماتها
لا تظهر إلا بعد أن تمضي! مثل أن تظهر الشمس صبيحتها لا شعاع لها أو حمراء، أو أن
ليلتها تكون معتدلة ليست باردة ولا حارة، ومن اجتهد في القيام والطاعة، نال من عظيم
بركاتها فضل ثواب العبادة.
في الحديث، ثمة ما ورد انها في العشر الأواخر من رمضان،
وفي ضرورة التماسها في الوتر من العشر الأواخر (الايام المفردة)، كذلك هنالك ما
ورد من أحاديث عن التماسها في التاسع أو السابع أو الخامس من العشر الأواخر،
وايضاً ثمة أحاديث تخبرنا انها في السبع الأواخر، وأحاديث أخرى انها ليلة الثالث
والعشرين، لا بل ليلة السابع والعشرين ... وجميعها أحاديث صحيحة !!
ومفهوم ليلة القدر لم يكن يوماً محصوراً بالمسلمين، اذ
ان اكثر من ديانة سبقت الاسلام، تتحدت صراحة عن ليلة القدر وتنتظر ظهورها، وتستفيض
كذلك في شروح فوائدها وتفسير معانيها.
الديانة الصابئية المندائية التي يعود تاريخها الى ما
بعد المسيحية بنحو 200 عام (قبل الاسلام بـ 380 سنة) تتحدث في كتابها
الـ"كنزا ربا" Ginza Rba (الكنز العظيم) عن "ليلة القدر" التي تصادف بين الليلتين السادسة
والسابعة بعد عيد رأس السنة الصابئية المندائية وهو ما يسمى عيد شوشيان، التي تكون
فيها (على حدّ وصفهم) أبواب السماء مفتوحة ويتحقق خلالها ما يتمناه المندائي
المؤمن الصادق !!
وكذلك
عند الايزيديين، وهي ديانة قديمة موطنها الأصلي في مدينة "يزد" القريبة
من خراسان شرق إيران (حالياً يتركزّ تواجد معتنقيها في منطقة سنجار العراقية التي
باتت معروفة لدى العامة بعد الاحداث الدموية الاخيرة التي لحقت بهم على يد تنظيم
الدولة الاسلامية "داعش") وأصلها يعود الى الديانة زاردشتية، ثمة ليلة
قدر اسمها عيد
"شفبرات"، توافق في منتصف شهر شعبان، اذ
يذهب رجال الدين عشيتها إلى وادي "لالش"،
ويصلّون فيه حتى الصباح، فيما عامة منهم
يحيون المناسبة في قراهم ولا ينامون حتى مطلع "الفجر"!!
قد يكون هذا المفهوم تسلل من الديانات المذكورة الى الموروث
الاسلامي آبان عصر التدوين، وبقي قصة تُروى للعامة دون أي دليل فعلي أو حسي على
وجودها، خصوصا انها لم تظهر على أحد حتى على النبي نفسه !! (ومن أولى من النبي
لتظهر عليه هكذا ليلة؟) وبما ان لا ضير منها ولم تلقَ اعتراضاً من احد طالما انها
تحفّز الناس على التعبدّ وقيام الليل أواخر أيام شهر رمضان، سلكت طريقها لتترسخ في
صيرورة التاريخ الاسلامي الذي بدأ مع عصر التدوين (نحو140 هــ) الذي ماننفك نتحدث
عنه عند كل مناسبة.
الا ان القراءة العلمية لسورة القدر في القرآن، تكشف سرا
الهياً ينبىء بها عباده عن بداية الكون بشكل انشائي بليغ مع بعض التفاصيل المبسطة
بالقدر الذي كانت (ولا تزال) تسمح به المعاني المصطلحات العربية، بعيد عن الحسابات
الرياضية المعقدة التي يعجز عن فهمها مطلق أي شخص مثقف مهما علا شأن اطلاعه.
بداية الكون هذه، اصطلح العلم على تسميتها "نظرية
الانفجار الكبير" او العظيم The big bang التي توصل
اليها علم الرياضيات والفيزياء بعد عمل بحثي تراكمي.
الانفجار الكبير
من
منّا لا يحلم بمعرفة ماذا كان قبل نشأة الكون؟ من منّا لا يرغب بالعودة في الزمن
إلى أبعد حدّ ممكن، والإبحار حتى منابع الأكوان؟ إن هذه الأمنيات ليست مستحيلة.
ولسنا نتحدّث هنا عن افتراضٍ لإحدى الآلات الخيالية. إذ يكفي ان ننتظر حلول الليل،
ونتمدّد في مكان بعيد عن أضواء المدينة. إن المشهد الذي تقدّمه لنا القبّة
السماوية ليس مجرّد منظر طبيعي مهيب ورائع.
فالواقع
أن الكون الذي يحيط بنا، ليس مؤلّفاً فقط من ثلاثة أبعاد (طول - عرض - ارتفاع)
مكانيّة أو فضائية، ترتكز عليها رؤيتنا للعالم المحيط، بل هناك أيضاً بُعدٌ رابع،
وهو الزمن.
المشهد
الذي يبدو لنا في السماء فضائي ـــ زماني. وهذا يغيّر كل شيء، إذ يصبح الرصد في
الفضاء هو في الوقت عينه، رصدٌ في عمق الزمن: فالضوء ينتقل بسرعة محدَّدة، تُقارب
الثلاثمئة ألف كلومتر في الثانية. وبالتالي، فكلما كانت الكواكب بعيدة عنّا في
المكان، كلما أصبح موقعها بالنسبة لنا، بعيداً في الزمان. من هنا النتيجة الحتمية:
عندما ننظر الى أي جسم في السماء فنحن لا نراه كما هو، بل دائماً كما كان سابقاً.
بدأ
كل شيء مع الخطأ الذي ارتكبه ألبرت آنشتاين في العام 1917. فقد تحدث عن أول نموذج
للكون كما رآه: كونٌ ساكن متوازن، موحَّد الخصائص وأزلي. "كانت أجمل غلطة في
حياتي" قال آنشتاين في ما بعد. ذلك أن نظرية النسبيّة التي توصل إليها
لاحقاً، أظهرت أن الكون في تمدّد مستمر. ومن بعده جاء عالم الرياضيات جورج لوميتر،
الذي نشر في العام 1927، أول نموذج حديث للكون، فقد اقترح بالاستناد الى معادلات
نظرية النسبية لانشتاين، أن الكون يتمدّد على أثر انفجار كبير، حدث منذ عدّة
مليارات السنين (تقدّر بين 13.5 و15 مليار سنة في حسابنا الارضي) .
وقد
أكّد هذه النظرية الإكتشاف المدهش، الذي توصّل اليه العالِم الفلكي الأميركي إدوين
هابل في العام 1929، فهو يقول: "يبدو أن المجرّات كلها تبتعد عن بعضها بسرعة
تتزايد كلما تباعدت المسافة بينها. ثم جاء تحليل المادّة التي تتكوّن منها الكواكب
والنجوم، ليؤكّد أن هذه الأخيرة لم تكن موجودة منذ الأزل، بل إنها ولِدت من غازٍ
مكثّف وحارّ، قد يكون من بقايا "الانفجار الكبير".
وتبيَّن
كذلك أن كميّة الهيدروجين والهيليوم الموجودة في الكون، تتطابق تماماً مع ما
يقدّره سيناريو "التركيبة النوويّة الأولّية"، الذي وضعه في العام 1948،
الأميركي جورج غاماو. ويقول السيناريو، أن هذه الجزئيّات النوويّة الأوّليّة، قد
شكّلت في الحظات والدقائق القليلة الأولى التي تبعت "الانفجار الكبير"، فيما
العناصر الثقيلة (مثل الكاربون، الآزوت، الأوكسجين، الحديد وغيرها...)، شكّلتها
النجوم ذاتها في ما بعد.
في
العام 1950، لم تكن نظرية "الانفجار الكبير"، قد حَظيتْ بعد بموافقة
العلماء بالإجماع، وذلك حتى العام 1965، جاء التأكيد الصارخ على نظرية "الانفجار
الكبير" بفضل العالِمَين «آرنو بنزيّاس» و«روبرت ويلسن»، اللذين اكتشفا
بالصدفة «الإشعاع الكوني المنشأ»، وهو اكتشاف استحقّا عليه جائزة نوبل في الفيزياء
لعام 1978. ويعني هذا الاكتشاف أن الكون غارق في بحر حقيقي من الضوئيات Photons (جزيئات من
الطاقة الضوئية)، وهي بقايا من ماضٍ أكثر سخونة وكثافة.
هذا
البحر الحراري، هو في الواقع إشعاعٌ من هذه الضوئيّات يُبقي الكون بدرجة حرارة لا
تتجاوز 270.45 درجة مئوية تحت الصفر! هذا، وقد نجح قمران اصطناعيان، في العامين
1994 و2002، في قياس مواصفات هذا الإشعاع الضوئي وتبيّن انها مطابقة تماماً
للمواصفات التي تتحدّث عنها نظرية "الانفجار الكبير".
وانطلاقاً
بالتحديد من هذه الركائز الثلاث: 1. سرعة إنحسار المجرّات (أو تمدّد الكون)، 2.التركيبة
النووية الأوّلية، 3.الإشعاع الكوني المنشأ، تمكّن العلماء من تقدير عمر الكون،
بنحو 13.7 مليار سنة، بدأ من
الـ"لامكان" عند حالة من التوازن الحراري او thermal equilibrium ذات حرارة ثابتة
(السلام الذي سبق الفجر).
(هنا الرابط الذي يتحدث تفصيلاً عن المراحل الزمنية
الدقيقة التي مرت بها ولادة الكون)
في القرآن، تقول سورة القدر: }إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ
الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ
خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا
بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ
(5){.
وفي معجم اللغة العربية، "القَدْر" هو مبلغ
الشيء وكُنهه ونهايته، ويقال: قَدْرُه كذا،
أي مبلغُه او قيمته value/valeur.
·
قَدَرتُ
الشّيءَ أَقْدِرُه وأَقْدُرُه من
التقدير، وقدَّرته أُقَدِّره.
- أنزل/نزّل:
الانزال يتم دفعة واحدة فيما التنزيل يتم على دفعات أو مستوايات.. نزّل تنزيلاً: والتنزيل هو ترتيب الشيء ووضعه منزلةً.
- السلام هو الصّحّة والعافية.
- الفجر وهو التفتح في الشَّيء. من ذلك الفَجْر: انفِجار
الظُّلمة عن الصُّبح.
- الروح هو نسيم
وريح كل شيء .. كل ما يُبعث بالهواء هو روح من ريح ... راح يروح روحاً.
- الملائكة وهو
جمع الملاك وكان أصلها مألك، حذفت الألف وقُلبت للتخفيف فباتت: ملك وملاك ومعناها
المرسل او الرسول.
أي ان كل ما هو مرسل يعني "الملائكة والروح" مجتمعان ليكونان بعبارات أخرى ما يعرف علمياً بالـWaves او النبضات الكهرومغنطيسية. وهو تفسير علمي موجز ومحتمل حول ما قد تعنيه هذه السورة.
أي ان كل ما هو مرسل يعني "الملائكة والروح" مجتمعان ليكونان بعبارات أخرى ما يعرف علمياً بالـWaves او النبضات الكهرومغنطيسية. وهو تفسير علمي موجز ومحتمل حول ما قد تعنيه هذه السورة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق