الدين والاغتراب الفكري
أين الله؟ أين يذهب الموتى؟ بهذا النوع من الاسئلة يبادر أغلب الأطفال ذويهم بالسؤال، وكالعادة لا يحصلون سوى على أجوبة تشبيهية غير واضحة .. وهو أمر مفهوم ومبرر، هذه أسئلة عجزت البشرية الى حينه عن الاجابة عليه، فلا حرج في ذلك. لم يكن العيب يوماً في الاجابة عن هذا السؤال بل العيب يكمن، بنظر البعض الى يومنا هذا، في السؤال نفسه. ولكون الأطفال ... أطفالا، نتحايل عليهم بأجوبتنا. هكذا علمونا منذ الصغر، ثمة أمور أنت ممنوع من السؤال عنها، فكيف بالإجابة عليها؟
مع دخولك المدرسة، انت مجبر بتلقن الكثير من المواد الدراسية.. وليس أي مواد دراسية بل النخبة منها، رياضيات الهندسة والجبر، والفلسفة، والكيمياء والفيزياء... ألخ. أينشتاين؛ نيوتن؛ بور؛ باسكال؛ بيثاغور وغيرهم، حاضرون على الدوام ليشهدوا على تلقنك أفضل ما وصلت اليه تجاربهم والابحاث العلمية من نتائج ... انك تنهل من عصارة هؤلاء، فهم الذين استخدموا الحقائق والأدلة لجعل مستقبلنا أفضل.
عالمياً، دور نشر وخبراء يواظبون على تحديث المناهج وإضافة كل ما يُحسِّن في الشأن التعليمي. الرقيّ بالطلاب نحو الأفضل هو الهدف المنشود دوماً، ما يستوجب التدقيق والمتابعة، فلا يجوز تلقينهم ما هو غير ذي قيمة.
في الشأن الديني الأمر يختلف تماماً، فأنت كمثقف (متمكن مما سبق ذكره أعلاه) عليك ان تفصل بين العلم والمنطق من جهة، والدين من جهة أخرى (او ما وصل اليه الدين من خرافات وأساطير اذا صح القول) إذ جعلوا الدين، غصباً عنه، يتنافى مع كل ما هو "علمي"، الأمر الذي يصيبك بنوع من الاغتراب الفكري او الـــ"شيزوفرينيا" الثقافية دون أن تشعر، ويزرع بأعماقك مفتاحاً/محوّلاً: تارة تتعاطى مع الامور الحياتية كالعمل واللهو والتنقل والمحادثة مع الآخرين بالعقل العلمي ـــ المنطقي، وطوراً يفصلك (هذا المفتاح) الى منقلب آخر حيث الإيمان بالخرافة والــ"ماورائيات"، حينما تتعاطى أي شأنٍ الديني.
تحكيم العقل والمنطق في المواضيع الدينية أمر محفوف بالمخاطر، انت معرضٌ لكيل الاتهامات جذافا بالزندقة والكفر، وكأن المنطق العلمي يختص حصراً في شؤون علمه، فيما للدين رجاله وأقواله ومعتقداته القائمة بذاتها، ممنوع عليك مقارعتها ومقارنتها باكتشافات العلم، فأنت لست مؤهلاً لهذا (ثمة وسطاء بين العابد والمعبود يُفرضون فرضاً: رجال الدين)، هم وحدهم مؤهلين لـ "امتطاء" الاكتشافات العلمية (المجتزأة) بغية التأكيد على مقارباتهم الخاصة للكون والخلق.. وليس بهدف بلوغ الحقيقة.
تناقل المعتقدات الدينية يعتمد في الغالب على الآذان، فالأذن عنصر رائج في نهل العلم الديني. ليس مهماً ان تتحقق مما تسمع، يكفيك حفظ وترداد ما سمعته على من هم حولك، ليكتسب سمة الصدقية والاحقية في النقل... هزلت !!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق