المولد النبوي: إجماع مُبهم عَمّر وانتشَر
يحتفل المؤمنون في
12 ربيع الأول من كل سنة، بــ "عيد
المولد النبوي"، وينكبون عشيتها على ارسال المعايدات والصور والأدعية من دون
بذل جهد يُذكر للبحث عن حقيقة هذه المناسبة وصحتها أو جدوى الاحتفال بها، متكئين
في ذلك على "إجماع الأمة" على عادات وتقاليد ورثوها من الـ "نيو
ــــ السلف" بشكل بريء، وألبسوها لبوس المناسبة/الذكرى.
طقوس الاحتفال تختلف
بين دولة وأخرى: توزيع حلويات (عصيدة الزقوقو، جوزية بقمر الدين)، قرع طبول ومزامير
مترافقة، لدى البعض، مع حلقات رقص على وقع الايقاعات الموسيقية. وعلى الرغم من أن أغلب هذه الممارسات مكروهة الا ان احياء هذه المناسبة ليس
محرّماً او مكروهاً في المطلق، لكنها حتما لن تزيد في رصيد المحتفلين بها سوى إيجابية
وحيدة تتمثل باستذكار يوم ولادة النبي عند كل سنة (في بعض الدول كلبنان تُدرج تحت بند
التوازن الدقيق فيما بين أعياد الطوائف ليس أكثر).. وهنا يكمن السؤال: ما حقيقة
وصحة تاريخ 12 ربيع الأول؟
كتب التاريخ تذكر
صراحةً، ان الاحتفال بهذه المناسبة جاء متأخرا جداً عن تاريخ وفاة النبي، إذ ظهرت في
عهد الدولة الفاطمية التي حاولت (ونجحت في ما يبدو) اضافة الكثير من المناسبات على
الموروث الاسلامي بشكل عام!! الا ان الناظر في السيرة النبوية وتاريخ الصحابة وحتى
أهل البيت والتابعين لهم (رغم الملاحظات عليها جميعاً)، إلى ما بعد سنة 350 سنة
هـــــ (الربع الأول من القرن الهجري وهو تاريخ تأسيس الدولة الفاطمية)، لن يجد أحداً
من علمائهم أجمعين تحدث عن هذه المناسبة أو أمر بإحيائها، كما وان اعتماد تاريخ 12
ربيع الأول لم يأت أحد على ذكر أسبابه أو الطريقة التي توصلوا فيها الى حصره لمعرفة
ولادة النبي بشكل محدد ودقيق، بمعزل عن أي معيار تقويمي أو حسابي.
قصص كثيرة قُصت في
هذا السبيل، بعضها يستند على أحاديث غريبة (في تقديري أقله)، تقول ان النبي أمر
بصيام يوم مولده المصادف نهار الإثنين: يقول مسلم عن أبي قتادة الأنصاري في "صحيحه" حديث رقم (1162)
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الاثنين
فقال فيه ولدت وفيه أُنزل عليّ". وكأن يوم الإثنين يأتي مرة واحدة كل ألف
سنة !!
قصة أخرى من عدة قصص
مماثلة تحاول دعم هذه النظرية، نقلها المؤرخ الاسلامي الحافظ شمس الدين بن ناصر
الدين الدمشقي في كتابه "مورد الصادي في مولد الهادي": "قد صح أن أبا لهب (عمّ النبي) يخفف عنه عذاب النار في مثل يوم
الاثنين لإعتاقه ثويبة سروراً بميلاد النبي" !! (وثويبة هي أول مرضعة للنبي
وجارية عمّه المذكور،
أعتقها حين بشّرته بولادة محمد، وقد أسلمت بعد البعثة ثم نظم هذه الأبيات:
اذا كان هذا كافراً جاء ذمة .. وتبّت يداه في الجحيم مخلداً
أتى أنه في يوم الإثنين دائماً .. يخفف عنه للسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذي طول عمره .. بأحمد مسرورٌ ومات موحداً
هذه المعطيات
لا تدعم وجهة نظر المحتفلين ولا تمدهم بما يجيب عن تساؤلات المشككين.. فلنذهب الى
ما هو أعمق من ذلك:
كثيرة هي أسماء شهور العرب التي تحمل
دلالات على حالة الطقس (ربيع وجمادى ورمضان) مما يوحي بأنها كانت ثابتة ومتوافقة
مع فصول السنة، الا ان ما نعرفه هو عكس ذلك تماما. فإن مرّ
علينا على سبيل المثال لا الحصر، شهر رمضان هذا العام صيفا، بعد بضع سنين سيأتينا
شتاء كما هو معروف، وهذا ما لا نراه في تقاويم أخرى كالشمسي والغريغوري واليهودي
والقبطي، لماذا؟
التقويم الهجري لا يعتمد حساب
السنة الكبيسة وهي زيادة يوم أو أكثر كل بضع سنوات لتثبيت الشهور على فصول السنة، فإسم
رمضان مشتقّ من الرمض وهي الحرارة، مما يعني ان رمضان كان صيفا وقت تسمية الأشهر
وفق التقويم العربي القمري. هنا نطرح التساؤل التالي: طالما كانت الشهور غير ثابتة
لما أسماءها كانت كذلك؟ وطالما ان رمضان يصادف حكما خلال فصل الصيف لما تراه يأتي
في الشتاء؟
الجواب على تثبيت هذه
التسميات نسبة لحالة الطقس يكمن في ما يسمى: "النسيء" المذكور في سورة
التوبة الآية 37 (إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما
ويحرمونه عاما). وهو شعيرة من شعائر العرب في الجاهلية، كانوا ينسأون
الشهور فيحلون الشهر من الأشهر الحرم ويحرمون مكانه الشهر من أشهر الحل، ويؤخرون
ذلك الشهر، كما كانوا يستخدمون النسيء ليوافقوا الشهور مع الفصول والاحوال الجوية...
فأسواق العرب ورحلات الحج وغيرها كانت تتطلب اختيارا جويا جيدا وثابتا. وهو دليل
آخر على صعوبة، بل إستحالة، ضبط التواريخ طالما ان مسميات الشهور لم تكن ثابتة في
الجاهلية .. فكيف بالأيام؟
وبالاشارة الى أمر آخر، نعلم ان تحديد أهم مناسبتين لدى المسلمين، عيد
الفطر وعيد الأضحى، تتمّان وفقاً لولادة قمري رمضان وشوال (عيد الأضحى يصادف دوماً
في العاشر من ذو الحجة والمرتبط بدورة بولادة قمر شوال الذي يعلن نهاية شهر رمضان)
أي ان هاتين المناسبتين .. آنيتان، ووليدتا اللحظة القمرية، وبالتالي كل ما هو غير
المرتبطة بــ "ولادة قمر" يكون حكماً متقلب ولا يتطابق مع نفسه، وهو الحال مع تاريخ 12 ربيع
الأول الذي سيبقى متقلباً بين أيام السنة القمرية، بشكل لن يشير مرتين الى النقطة
الزمنية التي إنطلق منها فعلاً (وهو ما يحصل أيضا في التقاويم الأخرىن الكبيسة
منها، لكن بفوارق زمنية تبقى هامشية في المدى المنظور).
مفارقة أخرى في الروايات الإسلامية، ذكرت سبب بداية "تأريخ
الأحداث"، وجاءت مع عمر بن الخطاب سنة 17 من الهجرة، وهو ما قيل ان "أبا موسى الأشعري
(مسلم
من اليمن) كتب إلى عمر أنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الناس وقال
بعضهم: أرخ بالمبعث، وبعضهم أرخ بالهجرة، فقال عمر: الهجرة فرقت بين الحق والباطل،
فأرخوا بها، وذلك سنة سبع عشرة، فلما اتفقوا قال بعضهم ابدأوا في رمضان، فقال عمر:
بل بمحرم فإنه منصرف الناس من حجهم ، فاتفقوا عليه".
لن أشكك في صحة هذه الرواية لكن يتوجب توضيع ان راويها ربما فاته حقيقة مهمة،
هي ان اللغة العربية لم تكن منقطّة في سنة 17 هـــــ ! بل انتظرت الى عهد الدولة
الأموية (41 هــ - 132 هــ) حينما أمر الحجاج بن يوسف بتنقيط القرآن الكريم وكلف لهذا نصر
بن عاصم، ويحيى بن يَعْمَر (تلميذا أبو الأسود الدؤلي أستاذ النحو ومشكل الحروف)،
علماً ان القرآن لم يُجمع بشكل رسمي ودقيق الا خوفاً على دخول اللحن إليه وضياعه،
وقبل جمعه لم تكن هناك أي دوافع لغوية لا "تنقيطاً ولا تشكيلاً"، وقد تم
ذلك في عهد ثالث الخلفاء عثمان بن عفان (23 هــ - 35 هــ). وقبل هاذان التاريخان
لم تكن العرب لتتمكن من القراءة بلا "نصّ وحَفَظة" .. لخلو اللغة
المكتوبة من النقاط والتشكيل!!
من جملة ما تشير اليه رواية أبو موسى الأشعري، إن صحت، هو ان قبلها لم يكن هناك ما هو
مُؤرخ، كما لم يكن هناك من إتفاق على المرحلة الزمينة او الواقعة التي يستوجب بدء التأريخ
من عندها!! الأغرب من ذلك، الحادثة نفسها لم تُدوّن الا في العصر العباسي (كما هو
معروف/ او غير معروف لا فرق) نحو 125 للهجرة (740 ميلادي) خلال ما يُسمى "عصر
التدوين" الذي أحصى الموروث الإسلامي، بكل ما فيه من روايات وقصص وتواريخ..
كتابةً، أي ان هذه الحادثة إنتظرت ما يقارب الــ 100 سنة حتى تبصر نور الأحرف
وبقيت قبل ذلك رواية تتناقلها الألسن .. فكيف بتاريخ المولد النبوي نفسه ؟!!
بالمحاصلة، يمكن القول انه الأوان للإعتراف برمزية المناسية وعدم المغالاة
.. فتاريخ المناسبة ليس الا اجماعاً لا يمت الى حقيقة ولادة النبي الفعلية بصلة، وانما
إصطلح "الكهنة" على تثبيتها على ذلك من باب العرف .. وكأنه لم يكفنا
خرافات وأساطير.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق