العربية: لغة بلا
معجم تاريخي
عـــــــــــــماد الـشديـــــاق
=========
تعيش اللغة العربية
الفصحى، التي يحتفل العالم في 18 كانون الاول من كل سنة بيومها العالمي، حالة من
التخبطّ والاغتراب، تراه فاضحاً على صفحات مواقع التواصل الإجتماعي، حيث لغة الـ Argot المستحدثة (اللغات والمصطلحات المحكية لدى
العامة من الشباب) والخلط ما بين المحلي والأعجمي ـــ الغَريب في مقاطع كلامية
وحوارية يصعب على القارىء فهمها وفك رموزها غالباً.
وقد تكون هكذا ممارسات مقبولة لو كانت لغتنا العربية قابلة لـ
"قوننة" الطوارىء عليها من المصطلحات ضمن آلية واضحة المعالم، مستدامة
ومنظمة، تدرس كل جديد وتضيف كل مفيد الى مخزونها اللغوي عند كل محطة ومناسبة، وهو
للأسف ما لم يتوفر لها حتى تاريخه.
فعلى الرغم من عراقة
اللغة العربية وطولها بين اللغات العالمية عمراً، الا ان تراثها المعجمي الكبير
الذي خلفه علماء اللّغة العرب القدامى، لا يزال يعاني من قصور في مجال التأثيل،
مقارنة باللغات العالمية الحية، وذلك برأي الكثير من الخبراء.
ملامح هذا القصور
تتمثل أولاً، بغياب معجم تاريخي للغة العربية (Dictionnaire étymologique) يتيح، فيما
لو حصل انجازه، سدّ ثغرة الركود والتحجر، وبالتالي استيعاب التشعب الحاصل في
الألفاظ بمدونة موحدة، تسهم في الارتقاء باللغة العربية إلى مصاف اللغات الحية،
التي تملك معاجم تاريخية متجددة كالانكليزية والفرنسية والالمانية والاسبانية
والروسية..
السؤال الذي يُطرح:
لما تعاني لغتنا العربية من هذا القصور؟ وما السبب الكامن خلفه؟
يجيب الخبراء عن هذا
التساؤل بربط ظهور أي معجم تاريخي لأية ثقافة بعاملين أساسيين هما:
أولاً، موقف إيجابي
وحالة قبول وإقرار بأي مسألة تُعنى في شأن التطوّر اللغوي.
وثانياً، وجود دراسات
منهجية في علم اللغة التاريخي.
وهما عاملان لم
يتوفرا فعلياً في تراثنا اللغوي، بحيث انه بعد نزول القرآن الكريم بلغته العربية
الفصيحة والمشتركة بين جميع اللهجات العربية، كان همّ العلماء العرب والمسلمين
وقتها استيعاب اللغة المشتركة وصيانتها ونشرها حصراً.
لم يرَ السلف ضرورة
ملحة للبحث في اللهجات العربية ودراسة تطورها، كان اهتمامهم الرئيس ينصبّ على
اللغة الفصيحة التي نزل بها القرآن، معتبرين ان أي تغيير قد يصيبها: فساد ينبغي
تجنبه !
ومن هنا جاء مصطلح
"عصر الاحتجاج" الذي يعتمد الشعر والنثر مصدرين أضافيين من مصادر النحو
والصرف بعد القرآن وأحاديث النبي المنقولة من السلف عن لسان النبي، وذلك خلال
القرون الثلاثة الأولى في جزيرة العرب.
أما الدراسات
المنهجية في علم اللغة التاريخي وقضايا التأثيل (Etymology)، فلم تبدأ بصورة علمية إلا
بعد أن تطوّر علم اللغة في القرن الـ19 الميلادي. ولهذا نجد أن المعاجم التاريخية
للغات الكبرى تم تصنيفها في القرنين الميلاديين التاسع عشر والعشرين.
وفي هذا الصدد، يقول
خبراء اللغة العربية ان تأليف "المعجم التاريخي للغة العربية" قد يستغرق
إعداده عقود (نحو مليار كلمة) وقد كانت أولى هذه المحاولات، تلك الخاصة بالمستشرق
الألماني أوغست فيشر الذي عرض في اجتماع المستشرقين الألمان سنة 1907، فكرة تأليف
معجم للغة العربية الفصحى يتناول تاريخ كل كلمة، لكن مشروعه هذا لم يبصر النور
بسبب الحرب العالمية الأولى.
ثم في العام 1990
كانت هنالك مبادرة لإنشاء مشروع آخر في تونس لكنه توقف، ثم أعيد العمل به سنة 1996
ثم عاد وتوقف لأسباب مادية. تلاه سنة 2006 اعلان اتحاد المجامع اللغوية والعلمية
العربية، إنشاء مؤسسة مستقلة تتفرغ لتأليف المعجم التاريخي للغة العربية، لكن حتى
تاريخه لم تُعرف النتيجة.
آخر الجهود كانت
مشروع معجم الدوحة التاريخي للغة العربية عام 2013، تبناه ولي عهد دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل
ثاني، ويفترض ان يستغرق العمل بإعداده قرابة الـ 15 سنة.
وعليه، تعتبر اللغة
العربية، اللغة الحيّة الوحيدة عالمياً التي لا تتوفر على "معجم تاريخي"
يؤرّخ ظهور ألفاظها ليعيدها إلى أصلها أو أصل اللغة التي اقتُرضت منها، ويتتبع
تطوّر شكلها ومعناها واستعمالاتها عبر العصور وضمن المناطق الجغرافية المتباينة
التي تُستعمل فيها اللغة العربية أو استُعملت فيها مِن قبل. خصوصاً وان المعاجم العربية الحديثة ليست
الا عملية نقل من مثيلاتها القديمة، لا تتعدى حدود الترتيب واعادة التصنيف
والتبويب.. لا الإضافة، فتراها عاجزة على تلبية حاجة الباحثين والأدباء
والطلاب.
يتفق خبراء اللغة على
الخطوط العريضة التي سترسم خارطة هذا المعجم، ويشرحون انهم سيقسمون تاريخ اللغة
العربية اولاً إلى عصور (العصر الجاهلي، الخلفاء الراشدين والأمويين، العباسي،
الوسيط، والحديث)، ثم سيختارون المصادر
الأساسية والثانوية التي تمثل جميع عصور اللغة العربية في جميع مناطقها وبمختلف
موضوعاتها وتخصصاتها العلمية والفنية والأدبية، ثم إنشاء مكتبة مطبوعات ورقية أصلية
أو مصورة (يرجع إليها الباحثون والمعجميون)، ثم تكوين مدوَّنة نصية حاسوبية مزودة
ببرامج تحليلية دلالية وصرفية ونحوية، ثم اختيار مداخل المعجم الرئيسية والفرعية
وترتيبها طبقاً لنظام معيّن، فكتابة موادّها المدعّمة بالشواهد وتزويد القارئ
بجميع العلومات اللغوية والثقافية والتاريخية عنها (صور ووثائق وشواهد .. الخ)،
وأخيراً كتابة المقدمة التي تتناول تاريخ اللغة العربية، وتطوّر كتابتها، ومنهجية
المعجم التاريخي، وكيفية استعماله، والرموز المستخدمة فيه.
والمعروف ان المعاجم
أنواع، فمنها اللغوية العامة، التي تتفرع إلى معاجم آنية ترصد ألفاظ المستعمَلَة
في مرحلة معينة، ومعاجم تاريخية ترصد ألفاظ اللّغة في مراحل استعمالها المختلفة.
أما المعجم التاريخي
فهو المعجم الذي يتضمن "ذاكرة" كل لفظ من ألفاظ اللغة التي تسجل، بحسب
المتاح من المعلومات، تاريخ ظهورها بدلالته الأولى، وتاريخ تحولاتها الدلالية
والصرفية، ومكان ظهورها، وهوية مستعمليها اذا أمكن، مع توثيق تلك
"الذاكرة" بالنصوص التي تشهد على صحة المعلومات الواردة فيها.
أوجه الجدوى من إنجاز
هكذا المعجم عديدة، أولها تمكين الأمة من فهم لغتها بتطوراتها الدلالية على مدى
أكثر من 18 قرنا على الأقل، ما يتيح الفهم الصحيح للتراث الفكري والعلمي والحضاري،
كما إدراك دلالة كلّ لفظ بحسب سياقه التاريخي. وبالتالي وهو الأهم، تحقيق الوصل
بين حاضر اللغة العربية وماضيها في المستويات اللغوية والفكرية والعلمية.
أضف الى تلك
الإيجابيات، توفير المعاجم الفرعية، التي تفتقر إليها المكتبة العربية؛ كمعجم شامل
لألفاظ الحضارة (الصناعات والحرف والعمارة...)، ومعاجم مصطلحات العلوم (المعجم
التاريخي للمصطلحات الطبية، والفيزيائية، والفلكية، والرياضية، والجغرافية،
والفلسفية، والشرعية، والنحوية، والبلاغية...)، ومعجم شامل للغة العربية المعاصرة،
والمعاجم اللغوية التعليمية وغيرها.
وكذلك تمكين الباحثين
من إعداد دراسات وأبحاث متعلقة بتقييم تراثنا الفكري والعلمي، في ضوء ما يتيحه
المعجم التاريخي المفترض، دون ان ننسى الاستثمار في البرامج الحاسوبيّة الخادمة
للمشروع؛ كالمفهرس الآلي، والمحلِّل الصّرفي، والمحلّل الدّلالي، والمحلّل
النّحوي، والمُشَكّل الآلي... وغيرها، في تطوير المعالجة الآليّة للّغة العربيّة
.. وهو ما نتمناه وننتظره.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق